249

Al-Wajīz fī fiqh al-Imām al-Shāfiʿī

الوجيز في فقه الإمام الشافعي

Editor

علي معوض وعادل عبد الموجود

Publisher

شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم

Edition

الأولى

Publication Year

1418 AH

Publisher Location

بيروت

ولا يجب إلا مرة واحدة، والنظر في المقدمات والمقاصد واللواحق:

﴿الْقِسْمُ الأَوَّلُ في المُقَدِّمَاتِ﴾، وَهِيَ الشَّرَائِطُ وَالمَوَاقِيتُ:

[القَوْلُ](١) في الشَّرَائِطِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ لِصَحَّةِ الحَجِّ إِلَّا الإِسْلاَمُ؛ إِذْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ (ح) عَنِ

= رب العزة أن يعرف كل منهم نبأ إخوانه المسلمين في أقطار المعمورة كافة، وأن يتهادى الموجودون منهم النَّصَائح المفيدة، ويتبادلوا المعاونة ويمدّ كل منهم - للآخر يد المساعدة الممكنة، فتتحد كلمتهم، وتقوى شوكتهم، ويكونون بذلك يداً واحدةً على من رَامَهُمْ بسوء، أو رماهم بمكروه.

أَضِفْ إلى ذلك، ما يترتّب على خروجه للحج من المعارف، والصحبة من الربح والكسب الماديين والأدبيين، فقد يكسب مريد الحج إذا هو أتجر - مكاسب لا يحصل عليها في وطنه، ومحلّ إقامته، ولم يحظّر الشارع الإتجار ما دام القصْدُ الحج، وقد جاء هو تبعاً، وقد يكون مريضاً فيشفى بتغير المناخ، وما يحصل من الأنس والانشراح بما يقع من نظره عليه من بُلْدَان وبحار، ويكون السفر تسبباً في ذهاب وَحْشَةٍ لحقته بموت قريب، أو زوج أو ولدٍ، وقد ثبت وجوب الحج بإجماع المسلمين، كما ثبت وجوبها بالكتاب والسُّنة.

أَمَّا الكِتابُ: فَقَوْله تعالى: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)) وَقَوْلُهُ تعالى: ((وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ)) أي: ائتوا بهما تامِّين.

فإن قيل: الآية الكريمة لا تفيد أكثر من الأمر بإتمامهما، ولا دليل في ذلك على كونهما واجبين، أو تطوعين، فقد يُؤمِرُ الشخص بإتمام الواجب والتطوع جميعاً.

قلنا: الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما، بدليل قراءة من قرأ ((وَأَقِيمُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ))، والأمر للوجوب في أصله إلا أن يَدُلَّ دليل على خلاف الوجوب، ولا دليل ثمّة. ومَا تمسَّك به المخالف من حديث ((جابر)) ((وابن عبَّاس))؛ ليكون صارفاً للآية عن الوجوب، سيأتي أنه غير ناهض.

وأما السُّنَّة: فقول ﷺ: ((بُنِى الإسْلاَمُ على خَمْسٍ)) الحديث - وحديث عائشة رضي الله عنها - قالت: يا رسول الله هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ ((قَالَ نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الحَجُّ والعُمْرَةُ)) رواه الإمام ((أحمد)) ((وابن مَاجَة)) ورواته ثقات.

وَقَالَ مالك وأحمدُ وأبو حنيفة رضوان الله عليهم: إن العمرة سُنَّة، وهو أيضاً قول إمامنا الشافعي رضي الله عنه في القدیم.

واستدلوا بحديث جابر أنَّ النبيِّ ﷺ﴿ سُئِلَ عن العمرة أواجبة هي؟ قال: ((لاَ وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرَ لَكَ)) وبحديث ابن عباس، وأبى هريرة عن النبي ﷺ ﴿ قال: ((العُمْرَةُ تَطَوُّعٌ))

قلنا: حديث جابر قد ضَعَّفَهُ الحُفَّاظ قاطبة، فلا يُغْتَزَّ بقول الترمذي فيه بالتحسين والتصحيح، بل قال ابن حَزْمٍ: إنه باطل.

وقال الشافعية: ولو صح لا يلزم منه عَدَمُ وجوبها مطلقاً لاحتمال أن المراد ليست واجبة على السائل لعدم استطاعته. وحديث ((العمْرَةُ تَطَوُّعٌ)) كلا سنديهما ضعيف، كما قال البيهقي.

وَيَدُلُّ على أنهما واجبان بأصل الشرع مَرَّةً واحدة في العمر قوله ﷺ (يا أيُّهَا النَّاسْ قد فَرَضَ الله عَلَيْكُمُ الحَجِّ فَحُجُّوا)، فَقَالَ رَجُل يَا نَبِيَّ اللهِ أَكُلَّ عَامٍ، فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاَثَاً، فَقَالَ النبيِّ ﷺ: ((لَوْ قُلْتَ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ)) رواه مُسْلم))، وروى الدّار قطنّى بإسناد جيّد عن سُراقة ((قُلْتَ: يَا رَسُول الله عَمْرَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبَدِ؟ فَقَالَ: ((لاَ بَلْ لِلأَبَدِ».

(١) من أ: الأول.

249