243

Al-Wajīz fī fiqh al-Imām al-Shāfiʿī

الوجيز في فقه الإمام الشافعي

Editor

علي معوض وعادل عبد الموجود

Publisher

شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم

Edition

الأولى

Publication Year

1418 AH

Publisher Location

بيروت

الاعْتِكَافِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ لاَ سِيَّمَا فِي العَشْرِ الأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانِ(١) لِطَلَبِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وَهِيَ فِي أَوْتَارِ العَشْرِ الأَخِيرِ (ح).

[وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ إِلى الحَادِيَ وَالْعِشْرِينَ](٢)

وَقِيلَ: إِنَّهَا فِي جَميعِ الشَّهْرِ(٣).

وَقِيلَ: فيِ جَميعِ السَّنَّةِ(٤)؛ وَلِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ فِي مُنْتَصَفِ رَمَضَانٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ القَدْرِ، لَمْ تُطَلِّقَ (وَ) إِلاَّ إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ(٥)؛ لأَنَّ الطَّلاَقَ لا يَقَعُ بِالشَّكِّ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ في النَّصْفِ الأَوَّلِ.

= وشرع الاعتكاف لتطهير النُّفُوسُ من أَدْرَانِ الذُّنُوب التي تلحقها، بضرورة الاختلاط الذي لا غنى عنه في هذه الحياة، فإن العُزْلَةَ عند الفتنة مَمْدُوَحةُ، إلا لقادر على إزالتها، فتجب الخُلْطَةُ عيناً أو كفاية، بحسب الحال والإمكان، وأما في غير أيام الفتنة، فاختلف العلماء في العُزْلَةِ والاختلاط أيهما أفضل قال النَّوويُّ. فذهب الشَّافعي تفضيل الخُلْطَة؛ لما فيها من اكتساب الفوائد، وشهود شعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم، ولو بعيادة المرضى وتشييع الجنائز وإفشاء السَّلام والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى وإغاثة المحتاج، وحضور الجماعات وغير ذلك مما يقدر عليه كل شخص، فإن كان صاحب علم، أو زهد تأكّد فضل اختلاطه.

وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة لما فيها من السلامةُ المُخْلَصَة لكن بشرط أن يكون عارفاً بوظائف العبادة التي تلزمه، وما يُكَلَّفُ به، والأفضل الخُلْطَةَ لمن لا يغلب على ظنّه الوقوع في المعاصي، ولما كان الاعتكاف يمثل نوعاً من العزلة، فهو يهذّب النفوس، ويُطهّرها، ويُبعدها عن المعاصي، ويذكرها بما تقترفُه من الذنوب، لأن الإنسان إذا فرغ ونفسه، وجرد نفسه من الانهماك في الدنيا، طَهُرَ قلبه، وحَسُنَتْ سريرته، وأصبح قلبه خاشعاً لله، لا يرى من يتقرب إليه سواه، فإذا عبد الله قبل عبادته، وإذا دعاه استجاب دعوته، ولذا نجد أن النبي ﷺ حُبُّبَت إليه الخَلْوة؛ كما وجد من أن الاشتغال بالدنيا يفوت عليه العبادة التي تقربه إلى الله. فالاعتكاف يروّض النفس على أسمى غاية، وأنبل مقصد وخصوصاً في مثل العشر الأواخر من رمضان، فإن له أثره المحمود، لما فيه من مراقبة ليلة هي عند الله أفضلُ من ألفِ شهْرٍ، ألا وهي ليلة القدر، التي أنزل الله فيها القرآن وفرق فيها كل أمر حكيم، لذا نجد أن النبي ﷺ نَبَّه عليها، وحذر من إهمال مراقبتها؛ لما في ذلك من ضياع الخير الذي يرجوه المتقرب إلى ربه، ولما في ليلة القدر من الخير العظيم لمن صادفها، أو وافق دعاؤه ليلتها.

(١) قال الرافعي: ((الاعتكاف سنة مؤكدة لا سيما في العشر الأخير من رمضان)) وذكره مرةً في سنن الصوم [ت].

(٢) سقط من أ.

(٣) قال الرافعي: ((وقيل إنها من جميع الشهر)) ذكره، كما يورد قول أو وجه، ولم ينقل ذلك في كتب الأصحاب [ت].

(٤) سقط من أ.

(٥) قال الرافعي: ((لو قال لزوجته في منتصف شهر رمضان أنت طالق ليلة القدرِ لم تطلق إلاَّ إذا مضت سنة)) غير مسلم، والذي يوجد للأصحاب أنه إذا قال أنت طالق ليلة القدر، فإن قال: قبل رمضان أو فيه قبل دخول العشر الأخير، فَتُطلق بانقضاء العشر، وإن قاله بعد مضى بعض العشر لم تطلق إلى أن يمضي سنة اعتماداً على أنها في العشر [ت].

243