٨ - ومن جهة الاعتبار، يقال:
إنَّ إلحاق ما قاربَ الشيء به دليلٌ على أن هذا الشيء ليس تحديداً، بل اجتهادٌ مقارِبٌ، فهو من منزلة العفو وباب التقديرات الاجتهادية، لا من تحديدات الشرع.
وقد عقد الإِمام - رحمه الله تعالى - قاعدةً جليلةً عظيمة النفع كبيرة القَدْر، لها صلتُها الأُولى بما نحن فيه، فقال:
((ما لم يرد فيه الشَّرْعُ بتحديدٍ يتعيّنُ تقريبُهُ بقواعد الشَّرْع؛ لأنَّ التقريبَ خيرٌ من التعطيل فيما اعتبره الشرعُ))(١).
(١) الذخيرة ٣٤١/١ - ٣٤٢، الفروق ١٢٠/١، ف ١٤، وجعلها مندرجةً تحت قاعدة: المشقة، وعَنْون للفرق المذكور بـ : الفرق بين قاعدتي المشقّة المسقِطة للعبادة، والمشقّة التي لا تسقطها. هذا، وقد تركْتُ الاستدلال بحديث علي - رضي الله عنه -: أنّ العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - : سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته فرخّص له في ذلك، أخرجه الإِمام أحمد ١٠٤/١، وأبو داود ص ١٦٢٣، وغيرهما، بعد جمعي لألفاظه، ووجه الاستدلال به، ووقوفي على قول صاحب التكميل:
وابْنِ الزكاة قَبْلَ حولٍ بيسيرٍ على قريبٍ الشيءٍ كَهْوَ، ذا کَثِيرْ
(التكميل مع شرحه لمؤلفه خ/ ٩ أ) تركتُ ذلك الأمرين اثنين متلازمين:
(أ) أن في بعض روايات هذا الحديث عن علي أيضاً - رضي الله عنه - ، أن النبي ﷺ قال: إنا كنّا احتجنا، فأسْلَفَنا العَباسُ صدقة عامين، البيهقي ١٥٣/٥، ولا يبدو لي أنّ العامين ممّا قارب الشيء فيعطى حكمه، فالدليل أعمّ من الدعوى!
(ب) أن المعتمد في المذهب عدم جواز تقديمها لأكثرَ مِنْ شهرٍ، قال في الشرح الكبير ٣٠٥/١ عند قول صاحب المختصر: أو قدّمتْ بكشهرٍ قال: الصواب: حذف الكاف؛ إذ لا تجزي في أكثر من شهر، على المعتمد، قال العلامة الدسوقي: مع كراهة التقدیم.
=