ولا يحرمون خبيثا ، بل غايةُ أحدهم أن يقول: طهر قلبك، وصلّ. واليهودي إنما يعتني بطهارة ظاهره لا قلبه، كما قال تعالى عنهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِرَ قُلُوبَهُمْ﴾(١). وأما المؤمنون فإن الله طهّر قلوبهم وأبدانهم من الخبائث(٢).
ومن هذه الوسطية جاءت الشريعة بالعفو عن بعض النجاسات وفي أحوال معينة، منها ما جاء في صياغة هذه القاعدة، وهو: عسرُ الاحتراز. والمراد به: أن تكون العينُ من الملازمة لها والتكرر عليها، بحيث يعسر تكليف المسلم بالتحفظ منها. فحينئذ تكون على العفو فيحكم عليها بالطهارة لمشقة الاحتراز. وهذا معنى قول الشيخ: "كلُّ ما لا يمكن الاحتراز عنه ملابسته معفوّ عنه".
وهناك أيضاً أسبابٌ أخر وضعتها الشريعة موجبةً للعفو عن النجاسات، لم تتعرّض لها هذه القاعدة. منها:
أ - المشقّة . كما هو الحال في أصحاب الحدث الدّائم، كمنْ به سَلَسُ بول، والمستحاضة ونحوها، فقد أجرى الشارعُ العفو عليهم، فتسامح في النجاسة التي معهم.
ب - عموم البلوى : والمراد به كثرة الابتلاء بالأمر في عموم الناس، وهذا كما في الدم والقيح الحاصل بسبب البثرات والدمامل، فإنه معفو عنه أيضاً.
وبالجملة فإن هذه القاعدة صورة من صور العمل بالقاعدة الكبرى "المشقة تجلب التيسير". وهي وإن لم ينصّ الشيخ على صيغتها فيما وقفت عليه، إلا أن عمله بها واعتباره لها في كثير من قواعده، دليل أكيدٌ على اعتماده هذه القاعدة أصلاً فقهياً عظيماً، يرجع إليه في كثير من الفروع والمسائل .
(١) سورة المائدة، الآية: ٤١.
(٢) مجموع الفتاوى، ٣٣٢/٢١-٣٣٣.
(٣) انظر: أحكام النجاسات في الفقه الإسلامي، عبد المجيد صلاحين، ٥٤٨/٢ -٥٥٠.