ذَكَرَهُ : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾(١).
فاستثنى الله تعالى حالة الضرورة من التحريم بدون قيد ولا صفة، فثبتت الإباحة لجميع المحرّمات من غير فرق بين ضرورة الجائع للطعام أو المريض للتداوي.
والجواب على هذا:
أَنّا نسلّم هذا الدليل وأن المحرّمات تباحُ عند الضرورات. لكنّه ليس في محل النزاع، إذ التداوي ليس بضرورةٍ. وفرقٌ بينه وبين الضرورة للأكل من وجوه:
أحدها: أن الدواء لا يتيقن حصول الشفاء به، وما أكثر من يتداوى ولا يشفى، بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه للمرض، إذ لو اطّرد ذلك لم يمت أحد. بخلاف دفع الطعام للجوع فإنه مستيقن بحكم سنة الله في خلقه وعباده.(٢)
ثانيها: أن الأكل من المحرّمات عند الضرورة واجب في ظاهر مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. أما التداوي فليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد. وهؤلاء تحجّهم السنّة في المرأة السوداء التي خيّرها النبي ﷺ بين الصبر على البلاء ودخول الجنة(٣) ، ولو كان رفع المرض واجباً لم يكن للتخيير موضع.
ويحجّهم أيضاً دعاؤه ﷺ بفناء أمّته بالطعن والطاعون(٤) ، ونهيهﷺ عن
(١) سورة الأنعام، الآية: ١١٩.
(٢) انظر هذا الوجه في: مجموع الفتاوى، ٢١/٥٦٣؛ ٢٤/٢٦٩ بتصرف.
(٣) أخرجه البخاري في: ٧٥ - كتاب المرضى، ٦ - باب فضل من يصرع من الريح، الحديث (٥٦٥٢) من رواية ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) كما في حديث أبي بردة بن قيس أخي أبي موسى الأشعري - رضي الله عنهما - قال: =