رابعاً : ( إن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول ، واعتقاد منفعته ، وما جعل الله فيه من بركة الشفاء ... ومعلومٌ أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها ، وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها بالقبول ، بل كلما كان العبد أعظم إيماناً ، كان أكره لها وأسوأ اعتقاداً فيها ، وطبعه أكره شيء لها ، فإذا تناولها في هذه الحالة كانت داءً له لا دواء ، إلا أن يزول اعتقاد الخبث فيها وسوء الظن والكراهة لها بالمحبّة . وهذا ينافي الإيمان . فلا يتناولها المؤمن قطّ إلّ على وجه داء والله أعلم) (١).
وهذا الكلام من ابن القيم - رحمه الله - في غاية العلم والفهم عن الله ورسوله ﷺ. ولم ينتبه الطب الحديث لهذا المعنى إلّ في الآونة الأخيرة؛ حيث اكتشف تأثير الاعتقاد في الدواء ؛ فإذا كان اعتقادُ المريض في الدواء والطبيب حسناً حصل له نوع شفاء . وإن كان اعتقاده سيّئاً لم يحصل له ذلك في الغالب ، ويعرف هذا التأثير باسم ( Placebo Effect )(٢) والقول بعدم جواز التداوي
(١) زاد المعاد ، ابن قيم الجوزية، ١٥٧/٤-١٥٨.
(٢) قال الدكتور البار معلّقاً على كلام ابن القيم المتقدم: (وهذا كلام عجيب، والأبحاث الطبية اليوم تتجه إليه ، وذلك : اختلاف تأثير الدواء الواحد في المجتمعات المختلفة فيينما يؤثر الدواء في مجتمع بعينه بطريقة خاصة يختلف ذلك التأثير ولو يسيراً في مجتمع آخر بل إن تأثير الدواء يختلف من شخص إلى آخر ويؤثر في ذلك عوامل عديدة ليس أقلها أهمية العامل النفسي لدى متناول الدواء ، فإن كان تلقيه للدواء بالقبول واعتقاد المنفعة حصل له ولو نوع شفاء ، وإن كان تلقيه له بسوء الظن فيه واعتقاد مضرته لم يحصل له نوع شفاء بل ربما حصل له نوع ضرر ، وهذا باب جديد في الطب ، فلله درّ ابن القيم كيف استطاع أن يدرك التأثير النفسي في تلقي الدواء . وهو أمر لم يدرك بعد على حقيقته بصورة واضحة إلى اليوم والأبحاث لا تزال جارية في هذا الميدان). ا.هـ. من كتابه الخمر بين الطب والفقه ، ص ٤٣ .