ثالثاً: أنه: (يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث. لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالاً بَيّناً، فإذا كانت كيفيته خبيثة، اكتسبت الطبيعة منه خبثاً. فكيف إذا كان خبيثاً في ذاته. ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة لما تكسب النفس من هيئة الخبث وصفته) (١).
(١) انظر: زاد المعاد، ٤/١٥٦ بتصرف.
ويقول الدكتور محمد محمد علي البار معلقاً على كلام ابن القيم هذا في كتابه الخمر بين الطب والفقه، ٤١-٤٢:
(ولنا هنا تعليق سريع، فهذه المسألة في منتهى الدقة ولم يتبينها الطب بعد بالتفصيل، فإن الأغذية والأشربة تتحول بعد الهضم والامتصاص إما إلى طاقة تحرّك الجسم ووقود للعقل والقلب، أو إلى مواد لبناء الأنسجة وإبدال التالف منها بجديد صالح.
ونحن نعرف الآن أن المواد النشوية والدهنية تتحول إلى طاقة بينما تتحول المواد البروتينية إلى خلايا وأنسجة ويقع ذلك ضمن عمليات كيماوية معقّدة دورة كريب (Kreb's Citric Acid Cycle) مثلاً هي مجموعة من العمليات الكيماوية البالغة التعقيد التي تحول سكر الدم (الجلوكوز) في ميتوكوندريا الخلايا إلى طاقة مخزونة عبر ما يقرب من أربعين عملية كيماوية، وتتحول ضمن دورة كريب وخارجها مجموعة من الأحماض الأمينية (Amino Acids) الهامة لبناء الخلايا والأنسجة، فالمواد البروتينية ليست إلا مجموعة ضخمة من الأحماض الأمينية هذه.
وهكذا ترى أن ما تأكله أو تشربه يتحول بالتالي إلى محرّك لعضلة يدك أو عضلة قلبك أو قادح لزناد فكرك أو يتحول إلى نفس تلك العضلة في اليد أو اللسان أو القلب أو يجري في عروقك مع دمك مكوناً الكريات الحمراء أو البيضاء أو الصفائح أو حيواناً منوياً يخرج من بين صلبك وترائبك أفلا يدخل في تركيب جسمك وتكوين فكرك بعد هذا ما تأكله أو تشربه من الخبائث كالخمر ولحم الخنزير وغيرها مما حرّم الله؟ بلى إنها كذلك.
أفلا يكون كلام ابن القيم بعد هذا دقيقاً كل الدقة، بارعاً كل البراعة في وصف ما لم يهتم به الطب الحديث إلى اليوم؟ بلى إنه لكذلك).