وقال ابن دقيق العيد : ( من القواعد الكلية أن تدرأ أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما إذا تعين وقوع ( إحداهما ) بدليل ( حديث بول الأعرابي في المسجد لما نهاهم النبي ﷺ عن زجره) وأن يحصل أعظم المصلحتين بترك أخفّهما إذا تعين عدم ( إحداهما ) )(١).
قلت : وتبقّى ضربٌ ثالث من الأفعال لم تنصّ عليه القاعدة ، وإن كان الشيخ - رحمه الله - قد ذكره في مواطن أخرى ، فيجمل ذكره هنا تتميماً للكلام، واستيفاءً للمقصود من باب المصالح . وهو : أن يكون الفعلُ مشتملاً على مصالح ومفاسد(٢) ، وحينئذٍ حكمه كما قال الشيخ - رحمه الله - : ( ... إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها ... ، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم یکن مأموراً به ، بل يكون محرّماً إذا كانت مفسدته أكبر من مصلحته )(٣) وينتجُ لنا من هذا الضرب نوعان :
أحدهما : غلبة المفسدة على المصلحة ، بأن تكون المفسدة أعظم من تحصيل المصلحة ، فنقدّم درء المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة . وهذا هو المراد من قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح(٤).
(١) المنثور ، الزركشي ، ٤٣٩/١.
(٢) انظر هذا القسم في: قواعد الأحكام، العزّ بن عبد السلام، ٩٨/١؛ الموافقات، الشاطبي، ٢٧/٢، ١٨٣/٤.
(٣) مجموع الفتاوى ، ١٢٩/٨ .
(٤) انظرها في: المنثور، الزركشي، ٣٣٧،١٢٥/١؛ القواعد، الحصني، ٣٢٠/١؛ الأشباه والنظائر، السيوطي، ص ٧٨؛ القواعد، المقري، ٤٤٣/٢؛ إيضاح المسالك، الونشريسي، ص ٢١٩؛ الأشباه والنظائر ، ابن نجيم ، ص ٩٩ .