أما مجرد تعذيب النفس والبدن وركوب المشاقّ - مما يظنّ بعض الناس أنه من مجاهدة النفس - فهذا إذا لم يكن فيه منفعة للإنسان وطاعة لله فلا خير فيه. فقد قال النبي ﷺ: "إنما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين" (١). وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّ هذا الدّين يسرٌ ولن يشادَّ الدّين أحدٌ إلا غلبه ... الحديث" (٢).
وبهذه القاعدة يظهر لنا أنه ليس كلّ شديدٍ فاضلاً، ولا كلّ يسير مفضولاً، ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع ولصاحبه أنفع، وقد يكون ذلك أيسر العملين، وقد يكون أشدَّهما (٣). قال العزّ بن عبد السلام - رحمه الله -: (... فمن الأعمال ما يكون شريفاً بنفسه، وفيما يجلب عليه من جلب المصالح ودرء المفاسد فيكون القليل منه أفضل من الكثير من غيره، والخفيف منه أفضل من الشاقّ من غيره، ولا يكون الثواب على قدر النّصب في هذا الباب كما ظنّ بعض الجهلة، بل ثوابه على قدر خطره في نفسه) (٤).
أدلة القاعدة:
١ - عن عكرمة عن ابن عباس قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذرَ أن يقومَ ولا يقعدَ، ولا يستظلَّ ولا يتكلّم،
(١) جزء من حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، أخرجه البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء، ٦٠ - باب صبّ الماء على البول في المسجد، الحديث (٢٢٠).
(٢) أخرجه البخاري في: ٢ - كتاب الإيمان، ٣٠ - باب إن هذا الدين يسر، الحديث (٣٩).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى، ٢٢/٣١٣.
(٤) قواعد الأحكام، ١/٣٤.