ومن ثمّ كان الأجر على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته لا على قدر المشقة. بل الشرع إذا أمرنا بأمر شديد، فإنما يأمرنا به لما فيه من المنفعة، لا لمجرد تعذيب النفس، ومع ذلك يجزينا مع ثواب العمل ثواب المشقة، كالجهاد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ...﴾ الآية(١).
فبيّن تعالى أنه إنما شرعه؛ لما فيه من الخير والنفع المثاب عليه، ومع ذلك فإنه يجزي بالثواب على ما يقع أثناءه من مشقة؛ حيث قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌّ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾(٢).
فالإنسان إذا أصابه في الجهاد أو الحج أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو طلب العلم أو غير ذلك من العبادات مشقّة، فهو مما يُحمد عليه ويثاب. كما قال النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع: " ... ولكنّها على قدر نصبك"(٣).
= وهذا نصُّ قاعدة السيوطي. انظر: الفروق، القرافي، ١٣١/٢-١٣٣؛ الأشباه والنظائر، السيوطي، ص ١٤٤، وقاعدتنا هذه بأدلتها تردّ ما ذهبا إليه. كما تولّى الرد على ما ذهبا إليه جمعٌ من العلماء منهم: الشاطبي في الموافقات، ١٣٠/٢-١٣٣؛ والعزّ بن عبد السلام في قواعد الأحكام، ٣٨/١؛ والمقري في القواعد، ٤١١/٢.
(١) سورة البقرة، الآية: ٢١٦.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٠.
(٣) أخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه الإحرام، الحديث (١٢٧).