ولا ينزّل المعدوم منزلة الموجود(١).
وإن كانت الأمور المنسّة من باب النواهي فهذا لا يخلو من أحد أمرين:
أ- أن تكون في حق من حقوق الله تعالى، فحينئذ (من فعل محظوراً مخطئاً أو ناسياً لم يؤاخذه الله بذلك. وحينئذٍ يكون بمنزلة من لم يفعله، فلا يكون عليه إثم، ومن لا إثم عليه لم يكن عاصياً ولا مرتكباً لما نهي عنه. وحينئذ فيكون قد فعل ما أمر به ولم يفعل ما نهي عنه. ومثل هذا لا يُبطل عبادته(٢). ولا تجب عليه كفارة ولا فدية إذا ترتب على فعل المحظور إتلاف، إلّ في حالة واحدة وهي ما إذا كان المتلفُ مضموناً ببدل وهذه خاصة بجزاء الصيد فقط(٣).
ب- أن تكون في حقوق العباد، فلا تقبل دعوى النسيان، ولا يعتبر عذراً، فلو أتلف مال إنسان ناسياً، وجب ضمانه ولم يسقط ما ترتب عليه.
جاء في كشف الأسرار: (وفي حقوق العباد لا يجعل النسيان عذراً حتى لو أتلف مال إنسان ناسياً يجب عليه ضمانه؛ لأن حقوق العباد محترمةٌ لحاجاتهم لا للابتلاء لأنه ليس للعبد على العبد حق الابتلاء؛ ليظهر طاعته له بل حقه في نفسه، وأنها محترمة فيستحق حقوقاً تتعلق بها قوامها، كرامة من الله سبحانه وتعالى. وبالنسيان لا يفوت هذا الاستحقاق فلا يمتنع وجوبها ...)(٤).
(١) واستثنى الإمام مالك رحمه الله خمس مسائل يرى فيها أن الوجوب يسقط بالنسيان، وذلك لضعف مدرك الوجوب فيها. انظر ذلك في: الإسعاف بالطلب، التواتي، ص ١٨٦- ١٨٧.
(٢) مجموع الفتاوى، ٢٢٦/٢٥.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى، ٢٢٧/٢٥.
(٤) كشف الأسرار على أصول البزدوي، عبد العزيز البخاري، ١٣٩٦/٣.