الشيطان على الأمة بلا كتابٍ من الله، ولا أثارةٍ من علم. فإن مداومة الإنسان على أمر جائز مرجحاً له على غيره، ترجيحاً يحب من يوافقه عليه، ولا يحب من لا يوافقه عليه بل ربما أبغضه، بحيث ينكر عليه تركه له، ويكون ذلك سبباً لترك حقوق له وعليه، يوجب أن ذلك يصير إصراً عليه، لا يمكنه تركه، وغلاً في عنقه، يمنعه أن يفعل بعض ما أمر به، وقد يوقعه في بعض ما نهي عنه.
وهذا القدر الذي ذكرته واقعٌ كثيراً؛ فإن مبدأ المداومة على ذلك يورث اعتقاداً ومحبّةً غير مشروعين، ثم يخرج إلى المدح والذم والأمر والنهي، بغير حق، ثم يخرج ذلك إلى نوع من الموالاة والمعاداة غير المشروعين... ثم يخرج من ذلك إلى العطاء والمنع، فيبذل ماله على ذلك عطية ودفعاً وغير ذلك من غير استحقاق شرعي، ويمنع مَنْ أَمَرَ الشارع بإعطائه إيجاباً أو استحباباً، ثم يخرج من ذلك إلى الحرب والقتال، كما وقع في بعض أرض المشرق. ومبدأ ذلك تفضيل ما لم تفضّله الشريعة والمداومة عليه. وإن لم يعتقد فضله سبباً؛ لاتخاذه فاضلاً اعتقاداً وإرادةٌ، فتكون المداومة على ذلك؛ إما منهياً عنها، وإما مفضولة. والتنوع في المشروع بحسب ما تنوّع فيه الرسول ﷺ أفضل وأكمل.
الوجه السادس: إن في المداومة على نوعٍ دون غيره هجراناً لبعض المشروع، وذلك سبب لنسيانه والإعراض عنه، حتى يعتقد أنه ليس من الدين بحيث يصير في نفوس كثير من العامّة أنه ليس من الدين... كما قد رأينا من تعوّد ألّ يسمع إقامةً إلّ موترة أو مشفوعة، فإذا سمع الإقامة الأخرى نَفَرَ عنها
(١) في النص المنقول (سببٌ).
(٢) في النص المنقول (هجران).