كان يقول: ((من أَقرّ عندنا بشيءٍ أَلزمناه إيّاه))(١).
فجميع تلك الآثار والمرويات أمارات بارزة على وجود القواعد في عصر الرسالة وعصر التابعين؛ وأنهم كانوا ينطقون بكلمات لا تخصّ موضوعاً واحداً أو قضيةً معيَّنةً، بل يمكن إجراؤها في كثير من المواطن - عند توافر الشروط - واستعمالها باعتبارها جامعة لكثير من المسائل والفروع.
وإذا تجاوزنا هذه المرحلة وانتقلنا إلى عصر أئمّة الفقهاء، العصر الذي اتسق فيه الفقه، وتفتَّحت بَرَاعِمُه، وانفصل عن الفنون الأخرى، صادفنا وجود بعض هذه القواعد في المصادر الأوَّلية الأصيلة، التي تمَّ تدوينها في ذلك العصر.
***
ولعلَّ أقدم مصدر فقهي يسترعي انتباه الباحث في هذا المجال، هو ((كتاب الخَراج)) الذي دَبَّجِه يَرَاعُ الإِمام القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (١٨٢ هـ) - رحمه الله - فإنّني لما توغّلت في بحوث الكتاب، وقفت على عبارات رشيقة تتّسم بسمات وشارات تتَسق بموضوع القواعد من حيث شمولُ معانيها. وفيما يلي أورد طَرفاً منها:
1 - ((التعزير إلى الإِمام على قدر عِظَم الجرم وصِغَره)): يقول عند تعرُّضه لمسائل تتعلق بالتعزير: ((وقد اختلف أصحابنا في التعزير؛ قال بعضهم: لا يبلغ به أدنى الحدود أربعين سوطاً، وقال بعضهم: أبلغ بالتعزير خمسة وسبعين سوطاً، أنقص من حدّ الحُرّ؛ وقال بعضهم: أَبلغ به أكثر. وكان أحسن ما رأينا في ذلك والله أعلم أن التعزير إلى الإِمام على قدر عِظَم الجرم وصِغَرِه ... ))(٢).
فهنا بعد أن سجَّل الخلاف القائم بين فقهاء ذلك العصر في موضوع التعزير نحا الإِمام أبو يوسف منحى قويماً، وهو أن وضع أصلاً في هذا الباب
(١) انظر: وكيع، أخبار القضاة: ٢٣١/٣.
(٢) كتاب الخراج، (ط. القاهرة الرابعة، المطبعة السلفية، ١٣٩٢هـ): ص ١٨٠.