ومن النماذج المأثورة لتلك القواعد في عصر التابعين وقبل أن تتكوَّن المذاهب الفقهية المشهورة، ما نقل إلينا من بعض أقوال الإِمام القاضي شُرَيْح بن الحارث الكِنْدي (٧٦هـ)(١) كقوله: ((من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه))(٢) قاعدة تسوغ الشروط الجعلية وهي في معنى ما ذكرناه عن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. ويدخل تحت مفهوم هذه القاعدة ما يسمى اليوم قانوناً بالشرط الجزائي، وبناء على ذلك الأصل المقرر يسوغ الإلزام بغرامات معيَّنة عند التأخير في مجال المقاولات التي يتم فيها عادة الاتفاق على مدة التسليم والفراغ من العمل.
ومن الأصول القضائية المروية عن الإِمام شريح: ((الناتج أولى من العارف)). وعَنَى بالناتج من نُتجت الدابة عنده أو نتجها هو، وبالعارف: الخارج الذي يدَّعي ملكاً مطلقاً دون النتاج. وإنما سمي عارفاً لأنه قد كان فقده، فلما وجده عرفه(٣).
وكذلك قوله: ((من ضمن مالاً فله ربحه))(٤) يمثل قاعدة في وجازة تعبيره ويماثل في المعنى القاعدة المشهورة: ((الخَراج بالضَّمان)) التي هي نص الحديث النبوي.
ومنها ما روى اللَّيث بن سعد(٥) (١٧٥ هـ) عن خَيْرِ بن نُعَيْم(٦) (١٣٧ هـ) أنه
وقيل: توفي سنة ثمان وسبعين. انظر: ابن الجوزي: صفة الصفوة تحقيق محمود فاخوري ومحمد رواس قلعجي. الطبعة الثانية، (بيروت: دار المعرفة ١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩م): ٣٧/٣ - ٤١.
صحيح البخاري بشرح الكرماني: ١٢/ ٥٥.
انظر: المطرزي، المغرب (النون مع التاء): ٢٨٦/٢، ومصنف عبد الرزاق ٢٧٧/٨.
وكيع بن حيان: أخبار القضاة: ٣١٩/٢.
هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث، المصري، فقيه وإمام مشهور، روى عن خيْر بن نُعَيْم. انظر: ابن حجر: تهذيب التهذيب: ٤٥٩/٨ - ٤٦٤.
هو خير بن نُعَيْم بن مُرَّة الحَضْرَمِيُّ، المصري، روى عنه اللَّيْث بن سعد وغيره: انظر: ابن حجر: تهذيب التهذيب: ١٧٩/٣.
تنبيه: ورد اسمه في الرواية المذكورة في أخبار القضاة: ٢٣١/٢: جُبَيْر بن نُعَيْم؛ فهذا تحريف لأنه لا يوجد من اسمه جبير من مشايخ الليث.