ومن العبارات الجامعة البليغة التي جرت على لسان النبوة: (١) ((إن لصاحب الحق مقالاً))، فهذه العبارة قررت قاعدة قضائية أخلاقية عظيمة في باب الدعاوي والمرافعات.
وإذا تتبعت مصادر السنَّة المطهرة، وجدتها حافلة بمثل هذه الجوامع. وهي لا تخلو عن كونها قواعد فقهية ذات أهمية وشأن في الفقه الإسلامي؛ وسيأتي بيان ذلك بشيء من التفصيل في فصل ((الأدلة)) من هذه الرسالة بعونه تعالى.
كذلك إذا تأملت بعض الآثار المنقولة عن الصحابة - رضي الله عنهم - تلمست فيها هذه الظاهرة، على سبيل المثال: القول المشهور عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في صحيح البخاري: ((مقاطع الحقوق عند الشروط))(٢) وما رواه الإِمام عبد الرزاق عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ((كل شيء في القرآن: أو أو فهو مخيَّر، وكل شيء: فإن لم تجدوا فهو الأول فالأول))(٣).
فرواية عمر قاعدة في باب الشروط، ورواية ابن عباس - رضي الله عنهم - قاعدة في باب الكفارات والتخيير فيها.
وما أخرجه عبد الرزاق عن علي رضي الله عنه قوله: ((من قاسم الربح فلا ضمان عليه))(٤). يُعدّ قاعدة رائعة في مجال الفقه المالي من المضاربة والشركة.
(١) صحيح البخاري: ٦٢/٣، ٨٣، ٨٥، ١٣٩، ١٤٠.
(٢) صحيح البخاري مع شرح الكرماني، ط. الأولى، باب: الشروط في المهر عند عقدة النكاح، وباب: الشروط في النكاح: ١١١/١٩.
(٣) رواه عبد الرزاق عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس في باب: بأي الكفارات شاء كفَّر: ٣٩٥/٤، والظاهر أن القاعدة تنطبق على الآيات التالية وأمثالها:
١ - ﴿وَأَتِّمُّوا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، فَإِن أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي، وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
٢ - ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦].
(٤) مصنف عبد الرزاق ٢٥٣/٨.