ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية: تناقضت عليه الفروع واختلفت ... ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتَّحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب))(١).
وإلى بعض تلك المعاني نَبَّه الإمام أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري المالكي (٥٣٦هـ) - رحمه الله - في ((المُعْلم)) عقب ذكره قاعدة: ((لا تستباح الفروج بالشك)) إذ يقول: ((فاضبط هذا، فإنه من أسرار العلم، وإليه ينحصر جميع ما قاله العلماء المتقدمون في هذه المسائل، وبه تضبط مسائل الفتوى في هذا الفن))(٢).
كما ركّز على الاعتناء بالأصول الضابطة في موضع آخر بقوله: ((فاحتفظ بهذا الأصل، فإنه من مُذْهَبات العلم))(٣).
وقال العلّامة الزركشي: ((إن ضبط الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة هو أوعى لحفظها وأدعى لضبطها))(٤).
ونوَّه بها السيوطي في ((الأشباه)) قائلاً: ((اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج لمعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان))(٥).
وجاء في مقدمة ((درر الحكام)): ((إن المحققين من الفقهاء قد أرجعوا المسائل الفقهية إلى قواعد كلية. كل منها ضابط وجامع لمسائل كثيرة. وتلك القواعد مسلمة معتبرة في الكتب الفقهية، تتخذ أدلةً لإِثبات المسائل وتفهمها في بادىء الأمر، فذكرها يوجب الاستئناس، ويكون وسيلةً لتقررِّها في الأذهان))(٦).
(١) الفروق: ٣/١. (٦) درر الحكام شرح مجلة الأحكام: ١٥/١.
(٢) المعلم بفوائد مسلم، تحقيق محمد الشاذلي النيفر: ١٩٥/٢.
(٣) المصدر نفسه: ٢٤١/٢.
(٤) مقدمة قواعد الزركشي: (مخطوط))، و: ١.
(٥) مقدمة الأشباه والنظائر: ص ٦.