ويذهب الفقهاء في استنباط هذه القاعدة إلى الشطر الثاني من الحديث التالي: ((عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم))(١).
ذكرها الإِمام تاج الدين السُّبْكي ((في أشباهه))(٢)، وقال: ((وهي من أشهر القواعد المستنبطة من قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).
وعلى أساس الأصل المذكور قد يختلف بعض الأحكام العملية حسب اختلاف الأشخاص وأوضاعهم. وإلى هذا وقعت الإِشارة في قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ... ﴾(٣) الآية.
قال العلامة ابن حجر الهَيْتَمي (٤) في شرح الحديث المذكور: ((وهذا من قواعد الإِسلام المهمة، مما أوتيه - صلَّى الله عليه وسلّم - من جوامع الكَلِم؛ لأنه يدخل فيه ما لا يُحْصَى من الأحكام، وبه وبالآية الموافقة له يُخَصُّ عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(٥). فإذا عجز عن ركن، أو شرط كنحو وضوء، أو صلاة، أو قَدَرَ على غسل أو مسح بعض الأعضاء، أو التيمم، أو على ستر بعض العورة، أو على بعض الفِطْرة، لا عن الرَّقَبَة في
(١) رواه البخاري عن أبي هريرة بلفظ: ... فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. صحيح البخاري بحاشية السندي، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة: ٢٥٨/٤.
(٢) التاج السبكي: الأشباه والنظائر، مخطوط، و: ٤٧، الوجه الأول.
(٣) سورة الطلاق: الآية ٧.
(٤) هو شهاب الدين أحمد بن أحمد بن محمد بن علي بن حجر - نسبة على ما قيل إلى جدًّ من أجداده، كان ملازماً للصمت فشُبِّه بالحَجَرِ، الهَيْتَمي، السَّعْدي، الأنصاري، الشافعي. وُلد سنة تسع وتسعمائة، وكان إماماً في التفسير، والحديث، والفقه، والأصول. توفي بمكة سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة. انظر: ابن العماد: شذرات الذهب: ٣٧٠/٨ - ٣٧١.
(٥) سورة الحشر: الآية ٧.