وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضاً أنه قال: ((حَرَّمَتْهما آية وأَحَلَّتْهُما آية أخرى، ولم أكن لأفعله))(١).
قال الزركشي - رحمه الله - بعد أن ذكر رواية عثمان - رضي الله عنه - : ((قال الأئمة وإنما كان التحريم أحبّ، لأن فيه تركَ مُباح لاجتناب مُحَرَّم، وذلك أولی من عكسه))(٢).
ويُسْتَأْنَسُ في هذا الموضع بما رواه البخاري: ((عن ابن عباس وجَرْهَد ومحمد بن جَحْش - رضي الله عنهم -، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن الفَخِذَ عَوْرَة. وقال أنس: حَسَر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن فَخْذِهِ. قال البخاري : - رحمه الله - تعليقاً على هاتين الروايتين: ((وحديث أنس أُسْنَد؛ وحديث جَرْهَد ((أحوط)) حتى يُخْرَج من اختلافهم))(٣).
فنحن نتبين في هذا التعليق أن البخاري - رحمه الله - جنح إلى ترجيح المُحَرِّم على المبيح من باب الاحتياط والتورع، والخروج عن الاختلاف كما يَنِمّ عن ذلك قوله ((وحديث جَرْهَد أَحوط)).
ولا يفوتنا أن نذكر هنا ما نَبَّه عليه الزركشي في ((قواعده)) وهو أن: ((قول الأصوليين: إذا اختلط الحلال بالحرام وجب اجتناب الحلال، موضعه في الحلال المباح. أمَّا إذا اختلط الواجب بالمُحَرَّم روعي مصلحة الواجب))(٤).
ويُحتَجُّ لذلك بما رواه البخاري في حديث طويل عن أسامة بن زَيْدٍ - رضي الله عنه - أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مَرَّ في مجلس فيه أخلاط من المسلمين، والمشركين: عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بنِ أُبَيّ ابن سَلول، وفي المجلس عبد الله بن رَوَاحة، فسَلَّم عليهم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم-))(٥).
(١) المصدر نفسه: ص ٤٠٤ .
(٢) المنثور في القواعد - تحقيق تيسير أحمد فائق محمود: ١٢٦/١.
(٣) صحيح البخاري: ١٠٣/١، (باب ما يذكر في الفخذ).
(٤) المنثور في القواعد (مطبوع): ١٣٢/١.
(٥) صحيح البخاري بفتح الباري، (ط. مصطفى البابي الحلبي ١٣٨٠ - ١٩٥٩) : =