مَوْعِظَة أشد غضباً من يومئذ، فقال: ((يا أيُّها النَّاسِ إِنكم مُنَفِّرون، فمن صلَّى بِالنَّاس فليُخَفِّف، فإن فيهم المريضَ والضعيفَ وذَا الْحَاجَة))(١).
وهكذا يتبين من نصوص السنة المتكاثرة التخفيف والتيسير، وأن رفع المشقة هو قُطْب الرَّحَى الذي يحوم حوله كثير من أحكام الإِسلام.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - كثيراً ما كان يترك الأمر مخافة أن تكون فيه مشقَّة على أمته. وظهرت هذه الرأفة في أروع مظاهرها. فمن الأحاديث الجلية في هذا المعنى: قوله - صلَّى الله عليه وسلّم - : ((ولولا أن أَشُقَّ على أُمَّتِي ما قعدت خَلْف سَرِيَّة، ولَوَدِدْتُ أني أُقتل في سبيل الله ثم أَحيا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أَحيا ثُمَّ أُقْتَل))(٢).
وعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: أعتم النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بالعشاء، فخرج عمر، فقال: الصلاة يا رسول الله! رقد النساء والصبيان، فخرج ورأسه يقطر، يقول: لولا أن أشق على أمتي - أو على النَّاس - لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة))(٣).
وكذلك قوله - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم -: ((لولا أَن أَشُقَّ على المؤمنين - وفي رواية: على أمتي - لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) (٤).
يقول الإِمام ابن عبد البرّ معلّقاً على هذه الرواية: ((وفي هذا الحديث أدلّ الدلائل على فضل السواك والرغبة فيه. وفيه أيضاً دليل على فضل التيسير في أمور الديانة، وأن ما يشق منها مكروه))(٥).
وقال الشاه ولي الله الدِّهْلَوِيُّ - رحمه الله - في شرح هذا الحديث ((معناه لولا خوف الحرج لجعلت السواك شرطاً للصلاة كالوضوء، وقد ورد بهذا الأسلوب
(١) رواه البخاري: ٣٣/١ -٣٤.
(٢) المصدر نفسه: ١٥/١ - ١٦.
(٣) أخرجه البخاري في مواضع مختلفة وألفاظ متقاربة، ومسلم، وغيرهما، انظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: ١٤٤/١.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي: ١٤٣/٣.
(٥) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ١٩٩/٧ - ٢٠٠.