وقد تنازع العلماء في ذلك هل ذلك مقدَّر بالشرع، أو يُرْجع فيه إلى العرف؟ وكذلك تنازعوا في النفقة: نفقة الزوجة، والراجح في هذا كله أن يرجع فيه إلى العرف؛ فيطعم كل قوم مما يطعمون أهليهم. ولمَّا كان كَعْبُ بن عُجْرَة ونحوه يَقْتاتون التَّمر، أمره النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يطعم فَرَقاً من التمر بين ستة مساكين ... ))(١).
والآيات الأخرى التي وردت في هذا المعنى كلها تشير إلى هذه القاعدة.
ومن ثم وجدنا الفقهاء يُؤَصِّلون هذه القاعدة في ضوء الكتاب والسنَّة، ويذكرون لها شواهد. يقول الإِمام عزّ الدين بن عبد السلام في ((قواعد الأحكام)): ((ومن أدلة العرف أيضاً: قوله عليه الصلاة والسلام: ((خُذِي ما يكفيك وولدك
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١١٣/٢٦ - ١١٤.
أما قصة كعب بن عجرة - رضي الله عنه - فهي مشهورة، قال الإِمام الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنْكُم مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىٍّ مِن رَّاسِه فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: ((وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن هذه الآية نزلت عليه بسبب كعب بن عجرة - رضي الله عنه - إذ شكا كثرة أذى برأسه من صئبانه (جمع: صؤابة: بيضة القمل)، وذلك عام الحديبية - جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ٥٨/٤. ومن تلك الأخبار ما روي في صحيح مسلمٍ، كتاب الحج: ٨٦١/٨: ((عن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مرَّ به زمن الحديبية، فقال له: ((آذاك هوامُ رأسِك؟ قال: نعم، فقال له النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: احلق رأسك، ثم اذبح شاة نُسُكاً، أو صُمْ ثلاثة أيام، أو أَطعم ثلاثة آصُعٍ من تَمْر على ستة مساكين)).
وجاء في سنن أبي داود بشرحه بذل المجهود: ١١١/٩ عنه، ((قال: أصابني هوام في رأسي، وأنا مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عام الحديبية حتى تخوَّقْتُ على بَصَري؛ فأنزل الله تعالى فيَّ: ﴿فَمَن كَانَ مِنْكُم مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىٍّ مِن رَّاسِه ...﴾ الآية. فدعاني رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -، فقال لي: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فَرَقاً من زبيب، أو انسك شاة. فحلقت رأسي ثم نسكت)). وهناك روايات عديدة أخرى في هذا الباب. مع اختلاف يسير في الألفاظ. وبناء على ما تقدم قال الإِمام سفيان بن عُيَيْنَة في تفسير ((الفرق))، الفرق: ثلاثة آصع. وللفقهاء اختلاف في تقدير كل من الصاع والفرق. انظر: تفسير الطبري: ٤ /٦٣.