فأرشد الله الزوجين في عشرتهما، وأداء حقّ كلّ منهما إلى الآخر إلى المعروف المعتاد، الذي يرتضيه العقل، ويطمئن إليه القلب، ولا شك أن ذلك متغير حسب الاختلاف بين المناطق وأحوال الناس.
ومن هذا القبيل ما جاء في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾(١)، فقوله سبحانه: ﴿من أَوْسَطِ ما تُطْعِمُون﴾ يقرِّرُ لنا الضابط الذي يلجأ إليه في تحديد مقدار الطعام، وتوفير الكسوة في جميع الأحكام المتعلقة بالكَفَّارات، التي لم ينصِّ الشرعِ فيها على مقدارٍ معلومٍ معيَّن، فينظر فيها إلى الأعراف السائدة والعوائد المُتَّبَعة، وتُفْصَلُ القضايا حسب مُقتضاها.
وإلى هذا المعنى يوحي تفسير بعض العلماء لهذه الآية الكريمة، قال الإِمام الطَّبري: ((وأولى الأقوال في تأويل قوله: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ عندنا قول من قال: من أوسط ما تطعمون أهليكم في القِلَّة والكثرة. وذلك أن أحكام رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الكفارات كلها وردت بذلك؛ وذلك كحكمه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في كفارة الحَلْق من الأذى بفرق(٢) من طعام بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع))(٣).
ونجد توضيح النص المذكور فيما قاله الإمام ابن تيمية عند بيان فدية المُحْرِم في الحَجِّ، وتحديد ما هو الأفضل في إطعام الطّعام في هذه الكفارة، وفي سائر الكفارات، يقول: ((والواجب في ذلك كله، ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينِ مِن أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ... ) الآية. فأمر الله تعالى بإطعام المساكين من أوْسَط ما يطعم الناس أهليهم.
(١) سورة المائدة: الآية ٨٩.
(٢) الفرق: قال الزمخشري: ((هو إناء يأخذ ستة عشر رطلاً، وفيه لغتان: تحريك الراء، وهو الفصيح، وتسكينها))؛ الفائق في غريب الحديث، تحقيق: محمد علي البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم، (ط. عيسى البابي الحلبي): ١٠٤/٣.
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق وتعليق: محمود محمد شاكر، مراجعة وتخريج: أحمد محمد شاكر، (ط. مصر، دار المعارف): ٥٤٣/١٠.