والسنَّة، وتعزيزاً لما ذُكر لا بأس أن أنقل في الختام عن الشاطبي - رحمه الله - ما قاله في النص التالي:
((إنَّ أدلة القرآن قد تأتي في معان مختلفة، ولكن يشملها معنى واحدٌ، شبيه بالأمر في المصالح المرسلة والاستحسان، فتأتي السنَّة بمقتضى ذلك المعنى الواحد، فيعلم أو يظن أن ذلك المعنى مأخوذ من مجموع تلك الأفراد بناء على صحة الدليل الدالّ على أن السنَّة إنما جاءت مُبَيِّنة للكتاب؛ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم﴾(١)، فلا تجد في السنَّة أمراً إلاّ والقرآن قد دلَّ على معناه دلالةً إجماليةً أو تفصيليةً.
ومثال هذا الوجه ما تقدم في أوَّل كتاب الأدلة الشرعية في طلب معنى قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا ضرر ولا ضرار))(٢).
***
٣ - ((العَادَةُ مُحَكَّمَةٌ)):
من القواعد التي ترجع إلى نصوص من القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة هذه القاعدة المشهورة الأساسية، فإن العُرْف والعادة كان لهما نصيب وافر ملحوظ في تغير الأحكام حسب تغيرهما؛ وعليهما يرتكز كثير من الأحكام والفروع الفقهية.
ومن الآيات الكريمة التي فيها تلميح بليغ إلى اعتبار هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(٣)، وقوله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(٤).
قال الإِمام القُرطُبِيُّ: ((العُرْف والمعروف والعارفة: كلَّ خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس))(٥).
(١) سورة النحل: الآية ٤٤.
(٢) الموافقات: ٣٢/٤، الدليل الثاني، ((السنَّة)).
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.
(٤) سورة النساء: الآية ١٩.
(٥) تفسير القرطبي: ٣٤٦/٧.