تيسير التحرير: ((فيها دليل على دفع الضرر، وذلك لأجل أن لا يتلف ماله قطعاً))(١). فكل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال سواء كان من النساء أم الصبيان والأيتام نهى الله سبحانه وتعالى عن تمكينه من التَّصرُّف في الأموال، التي جعلها الله للناس قياماً: أي تقوم بها مَعَايِشُهم في التجارات وغيرها(٢). والمقصود من ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين(٣) كما ذكر الإِمام الرازي وغيره في تفاسيرهم.
وإذا نظرت في سنَّة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقضاياه، وجدتها ساريةً على هذا المنهج ومقرِّرةً لهذا المبدأ العظيم، فعلى سبيل المثال ما رواه أهل السنن: أن رجلاً كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرَّر بدخول صاحب الشجرة، فشكا ذلك إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -، فأمره أن يقبل منه بدلها أو يتبرع له بها، فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض قَلْعها، وقال لصاحب الشجرة: ((إنما أنت مُضَارّ))(٤).
فهذه القضية مما يفصل قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرَار)).
ومن المسائل المهمة المبنية على هذه القاعدة مسألة جواز فرض الحظر على احتكار السلع من مقوّمات الحياة متى ما أدّى ذلك إلى الضرر بعامّة الناس، كما يستفاد ذلك من تعليق الإِمام المازري المالكي على الحديث النبوي الشريف المتعلق بهذا الموضوع، فهاك نص الحديث مقروناً مع كلام الشارح:
تيسير التحرير في أصول الفقه: ٣٠١/٢، (ط. مصطفى البابي الحلبي).
الرازي: التفسير الكبير: ١٨٥/٩، ((القول الرابع))؛ وتفسير ابن كثير: ٢٠٣/٢.
الرازي: التفسير الكبير: ١٨٣/٩.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١٠٤/٢٨، وأخرجه الإِمام أبو داود بلفظ آخر في حديث طويل، وفيه أن صاحب الشجرة هو سَمُرَة بن جُنْدُب، وصاحب البستان رجل من الأنصار، آخره: فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أنت مُضَارّ، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الأنصاري: اذهب فاقلع نخله)). انظر: سنن أبي داود بشرحه بذل المجهود: ٣٢١/١٥ - ٣٢٢.