289

Al-qawāʿid al-fiqhiyya: mafhūmuhā, wa-nashʾatuhā, wa-taṭawwuruhā, wa-dirāsat muʾallafātihā adillatahā, muhimmatuhā, taṭbīqātuhā

القواعد الفقهية: مفهومها، ونشأتها، وتطورها، ودراسة مؤلفاتها أدلتها، مهمتها، تطبيقاتها

Publisher

دار القلم

Edition

الثالثة

Publication Year

1414 AH

Publisher Location

دمشق

وهذه القاعدة التي تُعبِّر عن معنى الحديث المذكور، قد تضافرت الأدلَّة من الكتاب والسُّنَّة على بيانها وتأييدها. وقد أجاد الإِمام الشَّاطبي في قوله بأن الحديث المذكور ((لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ)) رغم كونه من الأدلة الظنيّة داخلٍ تحت أصل قَطْعي في هذا المعنى؛ حيث إن الضَّرر والضِّرار مبثوثٌ مَنْعُه في الشَّريعة كلها في وقائع جزئيات وقواعد كلّات: كقوله تعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَتَعْتَدُوا﴾، ﴿وَلا تُضَارُّ وهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾(١)، ﴿لا تُضَارِّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ... ﴾(٢) الآية؛ ومنه النهي عن التَّعَدِّي على النفوس والأموال، والأعراض، وعن الغصب والظلم؛ وكل ما هو في المعنى إضرار أو ضِرَار؛ ويدخل تحته الجناية على النفس، أو العقل، أو النسل، فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك، وإذا اعتبرت أخبار الآحاد وجدتها كذلك(٣).

وهذا ما نَّبه إليه الحافظ ابن عبد البر أيضاً إذ يقول:

- ((وأمّا معنى هذا الحديث فصحيح في الأصول، وقد ثبت عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال: حرَّم الله من المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن لا يظن به إلاّ الخير. وقال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام - يعني من بعضكم على بعضٍ. وقال حاكياً عن ربّه عزّ وجلّ: يا عبادي إنّي حرَّمت الظلم على نفسي فلا تظالموا(٤). وقال الله عزّ وجلّ: ﴿وقد خاب من حمل ظلماً﴾(٥).

... والذي يصحّ في النظر ويثبت في الأصول: أنه ليس لأحد أن يضرّ بأحد سواء أضرّ به قبل أم لا، إلاّ أن له أن ينتصر ويعاقب إن قدر بما أُبيح له من السلطان، والاعتداء بالحق الذي له هو مثل ما اعتدى به عليه، والانتصار: ليس باعتداء ولا ظلم ولا ضرر إذا كان على الوجه الذي أباحته السنّة ... ))(٦).

(١) سورة الطلاق: الآية ٦.

(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٣.

(٣) انظر: الشاطبي: الموافقات، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، (ط. مصر، محمد علي صبيح): ٩/٣ - ١٠.

(٤) رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.

(٥) سورة طه، الآية ١١١.

(٦) ابن عبد البر، التمهيد ١٥٧/٢٠ - ١٥٨، ١٦٠.

289