((من تدبَّر مصادر الشرع، تبيَّن له أن الشارع أَلغَى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه. ومن قواعد الشرع التي لا يجوز هَدْمُها أو هَدْرُها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات، كما هي معتبرة في التقربات والعبادات ... ودلائل هذه تّفُوق الحَصْر، فمنها قوله تعالى في حق الأزواج إذا طلَّقوا أزواجهم طلاقاً رجعياً: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إن أَرَادُوا إصلاحاً﴾(١)، وقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾(٢). وذلك نص في أن الرَّجعة إنما ملَّكها الله تعالى لمن قصد الصَّلاح دون من قصد الضُّرار. وقال تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَودَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٌ﴾(٣)، فإنَّما قدَّم الله الوصِيَّة على الميراث إذا لم يقصد بها الموصي الضرار، فإن قَصَدَ فللورثة إبطالها، وعدم تنفيذها ... ))(٤).
***
٢ - ((الضَّرَرُ يُزَال)):
هذه القاعدة من أهم القواعد وأَجَلَّها شأناً في الفقه الإسلامي. ولها تطبيقات واسعة في مختلف المجالات الفقهية. بل ((فيها من الفقه ما لا حصر له، ولعلَّها تتضمن نصفه؛ فإن الأحكام إما لجلب المنافع أو لدفع المضار، فيدخل فيها دفع الضروريات الخمس التي هي حفظ الدين والنفس والنسب والمال والعرض.
وهذه القاعدة ترجع إلى تحصيل المقاصد وتقريرها بدفع المفاسد أو تخفيفها))(٥). وأصلها: قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ))، الذي يُعَدُّ من جوامع كَلِمه - صلَّى الله عليه وسلَّم -، وقد سار مسير القواعد الفقهية الكُلِّيَّة.
(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٨ .
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣١.
(٣) سورة النساء: الآية ١٢ .
(٤) إعلام المُوَقِّعِين: ٩٥/٣ - ٩٦.
(٥) ابن النجار، شرح الكوكب المنير: ٤٤٣/٤ - ٤٤٤.