وأما القواعد والضوابط فحينما كثرت الفروع والفتاوى بكثرة الوقائع والنوازل توسعوا في وضعها على هَذْيٍ من سَلَفهم تدور في أبواب مختلفة من الفقه تضبط كثرة الفروع، وتجمعها في قالب متّسق، لصيانتها من الضياع والتشتت كما فعل العلامتان أبو الحسن الكرخي في رسالته، وأبو زيد الدَّبوسي في تأسيس النظر تحت عنوان الأصول، غير أنها إذا كانت في موضوعات مختلفة سميناها قواعد؛ وإذا كانت في موضوع واحد سميناها ضوابط، حسب ما استقر عليه الاصطلاح في القرون التالية.
ومما يشهد له التاريخ ويظهر ذلك بالتتبع والنظر، أن فقهاء المذهب الحنفي كانوا أسبق من غيرهم في هذا المضمار، ولعل ذلك للتوسع عندهم في الفروع، وأخذ بعض الأصول عن فروع أئمة مذهبهم، ومن ثم ترى الإِمام محمداً - رحمه الله - في كتاب الأصل يذكر مسألة فيفرِّع عليها فروعاً قد يعجز الإِنسان عن وعيها والإِحاطة بها. وكل ذلك جعل الطبقات العليا من فقهاء المذهب يصوغون القواعد والضوابط التي تسيطر على الفروع الكثيرة المتناثرة وتحكمها.
ولعل أقدم خبر يروى في جمع القواعد الفقهية في الفقه الحنفي مصوغة بصيغها الفقهية المأثورة، ما رواه (١) الإِمام العلائي الشافعي (٧٦١هـ) والعلامتان السيوطي (٩١١هـ) وابن نجيم (٩٧٠هـ) في كتبهم في القواعد: أن الإِمام أبا طاهر الدَّبَّاس(٢) من فقهاء القرن الرابع الهجري قد جمع أهمَّ قواعد مذهب الإِمام أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة كلية. وكان أبو طاهر - رحمه الله - ضريراً يكرر
(١) انظر العلائي: ((المَجْمُوعِ المُذْهب في قواعد المَذْهب))، بغداد، مكتبة مديرية الأوقاف العامة؛ أصول الفقه: ٤١٦٨، شريط مصور منه بمركز البحث العلمي، أصول الفقه، برقم ٢٥٩، و: ١١، الوجه الثاني. السيوطي: الأشباه والنظائر: ص ٧؛ ابن نجيم: الأشباه والنظائر: ص ١٠ - ١١.
(٢) هو محمد بن محمد بن سفيان، كان من أقران أبي الحسن الكرخي، وكان يوصف بالحفظ ومعرفة الروايات، ولد ببغداد، ولي القضاء بالشام، توفي بمكة المكرمة. انظر: اللكنوي: الفوائد البهية: ص ١٨٧.