ويبدو عند التأمل أن هذه القاعدة قريبة مما تقرره القاعدة المشهورة «ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه»(١).
٣ - ((لا ينسب إلى ساكت قول قائل ولا عمل عامل إنما ينسب إلى كلِّ قوله وعمله))(٢).
هذه القاعدة أفصح عنها عند نقاش موضوع الإِجماع على مسائل فقهية. ثم تداولها الفقهاء وطبقوها في كثير من الأحكام.
ولا شك أن القاعدة في موضعها جرت حسب مقتضى الموضوع، وربما لم تكن هنا حاجة إلى مزيد من الكلام؛ لكن معظم الفقهاء لم يقفوا عندها بل أَتْبَعوها باستثناء يُكمل الموضوع فأضافوا إليها: ((ولكن السكوت في موضع الحاجة بيان)). وهذا المثال خير شاهد على التطور المستمر المتواصل في صيغ القواعد على امتداد الزمان.
٤ - (أ) ((يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها))(٣).
(ب) ((قد يباح في الضرورات ما لا يباح في غير الضرورات))(٤).
(ج) ((كل ما أحل من مُحَرَّم في معنى لا يحل إلاّ في ذلك المعنى خاصة، فإذا زايل ذلك المعنى عاد إلى أصل التحريم، مثلاً: المَيْتَة المُحَرَّمة في الأصل المُحَلَّةُ للمضطر، فإذا زايلت الضرورة عادت إلى أصل التحريم))(٥).
فهذه القواعد الثلاث - التي تباينت صيغها ومظاهرها - نجدها متحدةً في مغزاها، فإنها تُفْضي إلى مفهوم واحد وهو بيان حكم الضرورة.
(١) انظر في هذه الرسالة: ص ٤٥٦.
(٢) الأم، باب الخلاف في هذا الباب (أي باب الساعات التي تكره فيها الصلاة): ١٥٢/١.
(٣) المصدر نفسه: ١٦٨/٤، تفريع فرض الجهاد.
(٤) المصدر نفسه: ١٤٢/٤، تفريق القسم فيما أوجف عليه الخيل والركاب.
(٥) المصدر نفسه: ٣٦٢/٤، الحجة في الأكل والشرب في دار الحرب.