وكما أنّ الأصل في ثواب العمل الصالح ألاّ يتعدّى الفاعل إلى غيره، فكذلك عقاب ضده مُختص بصاحبه، ولا يحق لأحد أن يطالب أحداً بجناية غيره في مال أو بَدَن سواء كان قريباً كالأب والولد وغيرهما أو أجنبياً. وهذا من كمال عدل الله - تبارك وتعالى - وحكمته، فسُبْحان أعدل العادلين.
يقول العز بن عبد السلام مؤكداً على هذا المعنى: "لا يُثاب الإنسان ولا يُعاقب إلاّ على كسبه واكتسابه، إمّا بمباشرة أو بتسبب قريب أو بعيد ... ؛ لأنّ الغرض من التكاليف تعظيم الإله بطاعته واجتناب معصيته، وذلك مُختص بفاعليه؛ إذ لا يكون مُعَظِّم الحرمات منتهكاً لها بانتهاك غيره، ولا مُنْتهك الحرمات مُعظِّماً لها بتعظيم غيره" .
يُسْتدل لهذه القاعدة بأدلة كثيرة، ومن أدلتها:
قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ .
قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ (٣). فمن كسب سيئة، فإن عقوبتها الدنيوية والأخروية على نفسه، لا تتعداها إلى غيرها، فكلّ واحد من المكلفين، مُعاقب بمعصيته، عدلاً من الله تعالى وحكمة.
قول ربّي جلَّ شأنه: ﴿ مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ .
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١٨٨/١.
(٢) سورة النساء من الآية (١١١).
(٣) سورة الأنعام من الآية (١٦٤).
(٤) سورة الإسراء من الآية (١٥).