وفي هذا يقول - بعد أن أورد قول الله تعالى ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾(١)، مؤكداً على هذه القاعدة، ورادّاً على ما قد يَرِد عليها من شُبه واعتراضات: "وليس في هذه الآية مُعارضة لأمر الرسول ﷺ بالحج عن الشيخ الكبير، وبالصيام عن الوليّ الميت، وبقضاء النذر عن الميت؛ لأن كلّ ما ذكرنا فالحي المؤدي هو المكلّف ذلك في نفسه، وهي شريعة ألزمه الله -تعالى- إيّاها وافترضها عليه، كالصلوات الخمس وسائر صيامه في رمضان، فقد تعيّن في ذلك فرضاً على الوليّ زائداً، كلّفه في نفسه، هو مأجور على أدائه؛ لأنه أدی فرضاً كُلّفه".
أولاً: من الكتاب العزيز:
استدل ابن حزم بقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ فهذه الآية دلّت على وجوب تقديم الديون على المورايث، وأدائها عن الميت، وقد تقرر سابقاً أنّ ديون الله - تعالى - مُقدّمة على ديون الناس ، ومن جملة ما على الميت من دیون، ما استقرَّ في ذمته من عبادات لله -تعالى- ولم يؤده.
ثانياً: من السنة، من السنة، أحاديث كثيرة جداً، جاءت بالأمر بأداء العبادة عن العاجز عنها، أو قضائها عمّن تعلّقت بذمته ثم مات قبل أدائها، ومنها:
١- عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ".
(١) سورة النساء من الآية (٨٤).
(٢) الإحكام في أصول الأحكام ٢/ ١٥٠.
(٣) سورة النساء من الآية (١٢).
(٤) ينظر: ص (٣٢٧) من هذا البحث.
(٥) أخرجه البخاري، في: ٣٦ - كتاب الصوم، ٤١ - باب من مات وعليه صوم، برقم (١٨٥١). ومسلم، في: ١٣ - كتاب الصيام، ٢٧ - باب قضاء الصيام عن الميت، برقم (١١٤٧).