ففي القاعدة بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، وأن كل واحد من المكلفين فأحكام أفعاله متعلقة به دون غيره، فليس له إلاّ جزاء سعيه، إن عمل خيراً جُزي عليه خيراً، وإن عمل شراً جُزي شراً، وأنه لا يلحق أحد عمل أحد إلا بنص شرعي، وهذا في غاية العدل والحكمة من الباري جلَّ في علاه.
فما كان من قبيل العبادات اللازمة للمكلف من جهة توجهه إلى الله، فالأصل تأديتها من قِبل المكلَّف نفسه، دون أن ينوب عنه فيها غيره؛ لأنَّ الغرض منها الخشوع والخضوع لله تعالى، وإجلاله وتعظيمه سبحانه؛ إذ هي صلة بين العبد وربِّه، شُرعت امتحاناً له وابتلاءً، فكان عليه أن يقوم بها بنفسه، وأن يؤديها عبادة خالصة لله تعالى، يبتغي بها وجهه تعالى ومرضاته.
يقول الإمام الشاطبي مؤكداً على هذا المعنى: "إنَّ مقصود العبادات الخضوع لله، والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمته، وعمارة القلب بذكره؛ حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضراً مع الله، ومراقباً له غير غافل عنه، وأن يكون ساعياً في مرضاته وما يُقرب إليه على حسب طاقته، والنيابة تُنافي هذا المقصود وتُضاده؛ لأن مع ذلك لا يكون العبد عبداً، ولا المطلوب بالخضوع والتوجه خاضعاً ولا متوجهاً، إذا ناب عنه غیره في ذلك".
(١) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي، المعروف بالشاطبي، الفقيه، الأصولي، المحدث، اللغوي، العلامة المحقق، كان له القدم الراسخة في سائر الفنون والمعارف، له استنباطات جليلة، وفوائد لطيفة، عُرف بالصلاح والعفة والورع، واتباع السنة واجتناب البدع، له مؤلفات قيّمة، منها: الموافقات، الاعتصام، شرح الخلاصة في النحو، وغيرها. مات في شعبان سنة ٧٩٠هـ. ينظر ترجمته في: برنامج المجاري، أبي عبد الله محمد المجاري، ص١١٦، نيل الابتهاج، التنبكتي، ص٤٨، شجرة النور الزكية، ص٢٣١.
(٢) الموافقات ٣٨٣/٢، وإلى هذا المعنى أشار الإمام القرافي في كتابه: الفروق ٢/ ٦٥٢، ٩٨٤/٣.