وبعد هذا البيان الموجز لمعنى التحري، وتوضيح الفرق بينه وبين ما يشابهه، أصبح من السهل علينا معرفة معنى القاعدة الإجمالي، والوقوف على فائدتها، فأقول مستعيناً بالله :
معناها : أنَّ التحري في الأمر الذي اشتبه فيه وجه الحق والصواب، ولم يُتمكن من الوصول إلى حقيقة العلم فيه، يقوم مقام الدليل الشرعي في الترجيح.
وعليه، فلابدَّ من استنفاد الطاقة والجهد، مع التثبت والتريث في طلب الشيء المرغوب إدراكه مما اشتبه فيه الأمر، حتى تُرجى معرفة وجه الحق فيه، أو يصل طالبه إلى درجة اليقين في أنَّه الحق أو الأقرب إلى الحق، فيطمئن إلى ذلك قلبه فيتبعه ويحكم به.
ولكن ليس كلّ ما اشتبه والتبس أمره على المرء يجوز فيه التحري، إذ إنه يُشترط فيما يجوز فيه التحري أن يكون من الأمور التي تُبيحها الضرورة، كالميتة مثلاً فإنه يجوز أكلها في الضرورة، فإذا اشتبهت بمذکاة جاز فيها التحري.
أمّا ما لا تحلّه الضرورة فإنّه لا يجوز فيه التحري والاجتهاد، وبخاصَّة ما يتعلّق بالفروج والنساء؛ لأنَّها لا تحلّ ولا تُباح في الضرورة ولا في غيرها، ويجب عليه أن يعدل عن ذلك إلى غيره.
فإذا اشتبهت مُحرَّمة برضاع أو نسب بأجنبيات يريد الزواج من إحداهنّ، أو زوجته بمحرمات، فلا يحلّ له التحري؛ لأنَّها أمور لا تُبيحها الضرورة.
ولذلك عبَّر بعض الفقهاء عن هذا بقوله : " التحري يجوز في كلّ ما جازت به الضرورة ".
وقال الإمام أبو سهيل السرخسي: "التحري إنما يجوز فيما يحلّ تناوله بالضرورة".
(١) ينظر: الأصل ٣/ ٣١،٣٠، المبسوط ٢٠٢/١٠.
(٢) الأصل ٣/ ٣٠.
(٣) المبسوط ١٠/ ٢٠٢.