وقال أيضاً: " إذا اتحد نوع المصلحة والمفسدة، كان التفاوت بالقلة والكثرة؛ كالصدقة بدرهم ودرهمين، وثوب وثوبين، وشاة وشاتين ... ".
وهذا من كمال عدل الباري -جلَّ وعلا-، فليس من اجتهد في العبادات وأكثر منها، أو حرص على الاستزادة من الأقوال والأفعال فيها، كمن أدّاها دون تكثير أو استزادة.
ولْيُعلم أنْ زيادة العمل هنا وتكثيره مُقيَّدة بموافقة المشروع، فليس كل عمل يؤجر عليه صاحبه؛ إذ إنه ليس مدار قبول العمل على كثرته، بل على موافقته للشرع، وإخلاص صاحبه فيه.
وهذه القاعدة مشابهة لمعنى القاعدة المشهورة عند العلماء: " ما كان أكثر فعلاً كان أکثر فضلاً ".
إلاّ أن الذي يظهر لي من خلال النظر في ألفاظ هذه القاعدة، وما فرَّعه العلماء عليها من مسائل فقهية، أنهم يخصّونها بأفعال العبادة دون أقوالها، بينما الإمام ابن حزم ـ يعمِّم القاعدة لتشمل أقوال العبادة وأفعالها معاً، وهذا أولى.
١ - الأصل في هذه القاعدة حديث عائشة أنها قالت: يَا رَسُولَ الله يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ؟ فَقَالَ لَا نَ﴿: " انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِي فَاخْرُچِي إلى التَّنْعِيمِ فَأهِلِّي، ثُمَّ ائِينَا بِمَكَان كَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ
(١) القواعد الصغرى، العز بن عبدالسلام، ص٦٤، ٦٥.
(٢) بهذه الصيغة أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر، ص٢٦٨، ومحمد بكر في القواعد الفقهية، ص ٤٢٣، ومحمد الروكي في نظرية التقعيد الفقهي، ص١١٨، ويعقوب الباحسين في القواعد الفقهية، ص٢١٢.
(٣) التنعيم: موضع في مكة المكرمة في الحلّ من جهة المدينة النبوية، منه يُحرم المكيون بالعمرة، وفيه مسجد الآن يُسمى مسجد عائشة - رضي الله عنها - سمّي بذلك لأنّ جبلاً عن يمينه يقال له نعيم، وآخر عن شماله يقال له ناعم، والوادي نعمان.
ينظر: معجم ما استعجم ١/ ٢٩٠، معجم البلدان ٢/ ٥٨.