وبهذا يتضح أنَّ الإمام ابن حزم يُقدِّم على كلّ الحقوق المتعلّقة بالتركة حقوق الله -تعالى- من زكوات، وحج واجب، وكفّارات، فهذه الحقوق عنده مُقدَّمة حتى عن ديون الناس، بل حتى عن مؤن تجهيز الميت وتكفينه.
وفي هذا يقول: " أول ما يُخْرَج مما تركه الميت إن ترك شيئاً من المال، قلّ أو كثر ديون الله -تعالى- إن كان عليه منها شيء، كالحج، والزكاة، والكفّارات، ونحو ذلك، ثم إن بقي شيء أخرج منه ديون الغرماء إن كان عليه دين، فإن فضل شيء كُفِّن منه الميت، ... فإن فضل بعد الكفن شيء نفذت وصية الميت في ثلث ما بقي، ويكون للورثة ما بقي بعد الوصية."
ويتبيّن من هذا أنّ حقوق الله - تعالى - مُقدمة على حقوق الناس، وديون الناس أيّاً كانت مقدّمة على حق الميت في تكفينه وتجهيزه، ثم يأتي بعد ذلك الوصايا النافذة، وأخيراً حق الوارثين.
أمّا إذا لم يفِ ما تركه الميت من مال وحقوق مالية بجميع حقوق الله تعالى، فإن الإمام ابن حزم - يرى أنَّ حقوق الله - تعالى - ما دامت واجبة الأداء فيقسّم ذلك على كلّ الحقوق بالحصص، لا يُقدَّم شيء منها عن الآخر، بل كلها سواء عند الأداء، ومرتبتها جميعاً في المرتبة الأولى.
ولا فرق في هذا كله بين أن يُوصي الميت بأدائها لتستوفى مما ترك من أموال أو لم يوصٍ؛ لأنها حقوق متعينة في المال، فلا تحتاج إلى وصية لأدائها.
هذا مُلخّص رأي الإمام ابن حزم فيما إذا ازدحمت الحقوق الواجبة في مال الميت.
(١) المحلى ١٠ / ١٤٧.
(٢) ينظر: المحلى ٣٠٤/٨.
(٣) ينظر: المحلى ١٠/ ٢١٥.