وكثيره؛ وذلك لأنَّ أحكام الله جاءت لبيان الحكم في جنس الشيء لا في قدره.
وهذا المعنى هو ما أشارت إليه القاعدة التي بين أيدينا، وزيادة في إيضاحه أقول:
إنَّ العمل الواجب ترك قليله وكثيره سواء في مخالفة أمر الله، والعمل المحرَّم كثيره وقليله سواء في ارتكاب المحرَّم، والمباح قليله وكثيره مباح، إلاّ أن يأتي نصّ بالفرق بين المقادير في الأعمال فيوقف عنده.
وهذا الحكم عامّ في الأقوال والأفعال، وفي مقادير الأشياء بأنواعها؛ الأوقات، والمسافات، والمكاييل، والأوزان وغيرها.
١- أنَّ الله قد بيَّن حدوده، وأوضح شرائعه، فحكم بتحريم الحرام، وتحليل الحلال، وذمّ من تعدَّى حدوده، فقال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾، وقال عزَّ اسمه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، ومن فَرَّق بين حكم قليل الشيء وكثيره، فحلَّل شيئاً من الحرام، أو حرَّم شيئاً من الحلال، أو أسقط واجباً أو شيئاً منه، فقد شرع في الدِّين ما لم يأذن به الله -تعالى- وتعدى حدوده ومحارمه.
٢- وإنَّ من أهم ما يستند إليه الإمام ابن حزم في اعتماده لهذه القاعدة، وعدم تفريقه في الحكم بين القليل والكثير، والقول بتساويهما فيه، هو: القول بالعموم، ووجوب حمل اللفظ على عمومه دون نظر في احتمال التخصيص؛ وذلك لأنَّ دلالة العام - عند الإمام - دلالة قطعية يجب اعتقادها والعمل بها إلاّ إذا ورد دليل خصوص؛ لأن القول بالعموم هو المتبادر إلى الذهن، وهو كذلك المتفق مع المنهج الفقهي عند الإمام
(١) ينظر: المحلى ١٥٦/٣، ٧٣/٤، ١٣٧/٩.
(٢) سورة البقرة من الآية (١٨٧).
(٣) سورة البقرة من الآية (٢٢٩).
(٤) ينظر: المحلى ١ / ١٦٢.