القاعدة الخامسة
لا فَرْقَ في الحُكْمِ بين قليل الشّيء وكَثيره()
هذه القاعدة من القواعد المهمّة عند الإمام ابن حزم ولذا أكثر من ذكرها، والتأكيد عليها، وقد جاءت على لسانه بألفاظ متقاربة جداً في كثير من أبواب الفقه؛ ليتبين لنا من ذلك شدة تمسكه بها واعتماده عليها، بل إنَّ هذا يتأكد - أيضاً من خلال كثرة الفروع الفقهية المندرجة تحتها، في غالب الأبواب، وسيأتي ذكر شيء منها إن شاء الله تعالى.
وبهذه القاعدة تتبين درجة صدْق المؤمن مع ربِّه - تعالى - وحرصه على امتثال أوامره واجتناب نواهيه من غير إخلال بها أو تفريط فيها؛ لأنَّ عبادة الله - تعالى - هي الغاية المرضية له - سبحانه - ومن أجلها خلق الثَّقلين كما قال جلَّ وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(٢)، وهي حقُّ الله عليهم.
وعليه، فإنَّ العبادة تقتضي الانقياد التام لله تعالى، أمراً ونهياً، وأن تكون حياة المرء قائمة على شريعة الله فيحل كلّ ما أحل الله، ويحرم كلّ ما حرَّم الله.
وبالتالي فإنَّ المكلَّف مُطالب ببذل الجهد، والوسع، للقيام بالفرائض وإتيان ما أمر الله به على أحسن حال، والكفِّ عن المحرمات واجتناب ما نهى الله - تعالى- عنه، التزاماً بشرعه سبحانه، من غير إفراط ولا تفريط.
وتحقيق ذلك يكون بالتزام حدود الله وشرائعه على كلِّ حال، عن طريق فعل ما أوجب، وتحليل ما أحلّ، وتحريم ما حرَّم، دون تفريق بين صغير ذلك وكبيره، وقليله
(١) ينظر: المحلى ١٦٠/١، ١٦٢، ١٤٩، ٦٣/٣، ١٣٢، ١٥٦، ٥٦/٤، ٧٣، ١٠/٩، ٦١، ١٣٧، ٢٧٢.
(٢) سورة الذاريات الآية (٥٦).