في العُمْر، ومن زاد وتطوَّع، فتطوّعه غير لازم له شأنه شأن غيره من النوافل، إن تمادى فيه أُجر، وإلاّ فلا حرج عليه، ولو كان يلزم من الشروع فيهما الإتمام، لكان مَنْ قطعهما ملزماً بحجة أُخرى وعمرة ثانية. فيكون الحج والعمرة يتكرر فرضهما في العُمْر مرّات، وهذا خلاف حكم الله ﷻ وحكم رسوله ﷺ في أنّهما لا يلزمان المؤمن إلاّ مرة واحدة في الدهر.
يُستدلّ لهذه القاعدة بأدلة كثيرة من السنة، والأثر، والمعقول، وذلك كالتالي:
أولاً: الدليل على جواز ترك نوافل العبادات ابتداءً، كلِّها أو شيء منها:
١ - عن طلحة بن عُبيد الله ﭬ(٢) أنّ أعرابياً جاء إلى رسولِ اللهِ ﷺ ثائرَ الرَّأْسِ، فقال: يا رسولَ الله أخْبِرْنِي مَاذا فَرَضَ الله عَليَّ مِنَ الصَّلاةِ؟ فَقَال: "الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ شَيئاً"، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ الله عَلَّيَّ مِنَ الصِّيامِ؟ فقال: "شَهْرَ رَمَضَانَ، إلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ شَيئاً"، فَقَال: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ شَرَائِعَ الإسْلامِ، فَقَال: وَالَّذِي أكْرَمَكَ، لا أَتَطَوَّعُ شَيْئاً وَلا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ الله عَلَيَّ شَيْئاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أفْلَحَ إِنْ صَدَقَ - أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ".
فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ من قام بالواجبات وداوم عليها، مع انتهائه عن المحرمات، دخل الجنّة، وإنْ لم يعمل معها شيئاً من نوافل الطّاعات، بنصِّ قول النبي ﷺ، وفي هذا دليل على عدم وجوب النوافل على المكلّفين، وغير الواجب يجوز فيه الفعل
(١) ينظر: المحلى ٧ / ٩٥.
(٢) هو الصحابي الجليل، طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب، القرشي، التيمي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، شهد أحداً وما بعدها من المشاهد، رُمي يوم الجمل بسهم فمات وكان ذلك سنة ٣٦هـ.
ينظر في ترجمته: الاستيعاب ٧٦٤/٢، أسد الغابة ٣/ ٨٣، الإصابة ٤٣٠/٣.
(٣) أخرجه البخاري، في: ٣٦ - كتاب الصوم، ١ - باب وجوب صوم رمضان، برقم (١٧٩٢). ومسلم، في: ١ - كتاب الإيمان، ٢ - باب بيان الصلوات الخمس التي هي أحد أركان الإسلام، برقم (١١).