مُتعمِّداً، بل إنّه لا يرى حَرَجاً من التمادي والاستمرار على ترك جميع أعمال التطوّع التي جاءت بها الشريعة؛ لكونها غير واجبة على المكلّفين، بشرط أن لا يكون ترك تلك النوافل رغبة عنها وعن سنّة النبي ﷺ، لكنّه مع كلِّ ذلك يعتبره عملاً مكروهاً، موجهاً كراهته لذلك بقوله: "وأمّا كراهتنا ترك ذلك فلأنّه فعل خير، قال الله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
ثانياً: حكم إتمام التطوّع بالشروع فيه:
لا يختلف الأمر كثيراً عن حكم سابقه، حيث إنّ الإمام لا يرى حَرَجاً على من تلبَّس بعبادةٍ نافلة - أي نافلة كانت صلاة أو صدقة أو صياماً أو حجاً أو عمرة أو اعتكافاً أو غير ذلك - تقرباً إلى الله تعالى إذا أراد أن يتركها ويخرج منها، سواء أكان الخروج منها بعذر أو بغير عذر، ولا يأثم، ولا يُنكر عليه، ولا يُعتبر بقطعه ذلك العمل فاعلاً لمكروه؛ لأنه ليس مُخالفاً لأمر الله تعالى أو أمر رسوله ﷺ مادام أنّه مُستحب لها غير راغب عنها، فإن قطعها رغبة عنها أثم.
إلاّ أن ابن حزم يوجب القضاء على من أفطر عامداً في صوم تطوّع.
ومما يجدر التنبيه عليه هنا، أنَّ الإمام ابن حزم خالف ما اتفق عليه جمهور العلماء، من أنّه يجب على من تلبس بالحج أو العمرة وأحرم بهما تطوّعاً أن يُتم أفعالهما.
وحجّته في ذلك: أنَّ الحج والعمرة فرضان على كلِّ مؤمن بالغ عاقل مُستطيع مرَّةً
(١) سورة الحج من الآية (٧٧).
(٢) المحلى ٢/ ١٤٧.
(٣) ينظر فيما سبق: المحلى ٢ / ١٤٣، ١٦٠، ١٨٩/٦، الإحكام، ابن حزم ١ /٤٥٨، ٤٦٢.
(٤) ينظر: المحلى ١٨٨/٦.
(٥) ينظر: أحكام القرآن، الجصّاص ٣٢٩/١، المبسوط ٣/ ٦٩، أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ١٦٨، الذخيرة ٢٤٩/٣، المجموع شرح المهذب ٤٤٧/٦، نهاية المحتاج ٢١١/٣، المغني ٤١٢/٤، شرح منتهى الإرادات ٣٨٩/٢.