فمتى عزم الإنسان على عمل أمر من الأمور، ووطّن نفسه عليه، وسعى في تحصيله، ثمّ حال بينهما القدر، فإنّه يؤاخذ بذلك العزم والإصرار، ويُعتبر بمنزلة الفاعل. وإن وُجِدت الإرادة والقدرة التامّة على العمل، ولكنَّه قطع نيَّته، وفترت عزيمته، ولم يقع منه قول أو فعل، فهذه إرادة غير جازمة، وعليه فإنَّ هذا من حديث النفس وخواطرها المعْفو عنها(١). " ولا فرق في هذا بين العبادات والمعاملات؛ فلو حدَّث الإنسان نفسه بأمر خطير فإنّ هذا الحديث معفو عنه، ولكن عليه أن يعرض عنه ويستعيذ بالله ولا يُبالي ".
ومع وضوح معنى هذه القاعدة وجلائه، إلاّ أنّه ربما يرد سؤال عن حديث النفس، ماذا يُراد به؟ وهل كلَّ حديث يدور في النفس معفو عنه أم لا؟.
وجواباً على هذا السؤال، سأُورد كلاماً مفيداً للإمام شمس الدِّين الرملي بيّن فيه مراتب ما يقع للنفس من المعصية، وقد رتبها ترتيباً تصاعدياً فقال: " وما يقع للنفس من المعصية له مراتب:
الأولى: الهاجس وهو ما يُلقى فيها، ولا يؤاخذ به بالإجماع.
الثانية: الخاطر وهو جريانه فيها، وهو مرفوع أيضاً.
الثالثة: حديث النفس وهو ترددها بين فعل الخاطر المذكور وتركه، وهو مرفوع أيضاً.
الرابعة: الهمُّ وهو قَصْد الفعل، وهو مرفوع.
(١) ينظر: جامع العلوم والحكم ٣٢٢/٢.
(٢) شرح منظومة أصول الفقه وقواعده لابن عثيمين، ص ١٦٠، وينظر: المحلى ٢٤٦/١١ - ٢٤٧.
(٣) هو محمد بن أحمد بن حمزة شمس الدين الرملي المنوفي المصري الأنصاري الشافعي، الشهير بالشافعي الصغير، برع في كثير من العلوم حتى أصبح فقيه الديار المصرية، من مؤلفاته: نهاية المحتاج في شرح المنهاج، غاية البيان شرح زَبَد ابن رسلان، شرح العقود في النحو، وغيرها. مات سنة ١٠٠٤ هـ. ينظر في ترجمته: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، المحبّي ٣٤٢/٣، الأعلام ٦/ ٧، معجم المؤلفين ٣/ ٦١.