كما أن مفهوم النفي والاستثناء الواردين في القاعدة يدلان على الحصر(١)، فيثبت الحكم عند وجود النية وهو صحة العمل، وينتفي هذا الحكم عند عدمها، ويُحكم على العمل بالفساد والبطلان.
فليس المراد بالنفي الوارد في القاعدة "لا عمل" نفي ذات العمل؛ لأنه يوجد بغير نية، بل المراد: نفي الصحة والإجزاء كما صرّح بذلك الإمام ابن حزم في مواطن كثيرة من كتبه ، وغيره من أهل العلم .
وعلى هذا، فإنَّ معنى القاعدة:
أنَّ صحة الأعمال وصلاحها مرتبط بالنية وراجع إليها، فإن قَصَد المكلّفُ بالعمل الوجه الذي أُمِر به، وكان ذلك العمل خالصاً لله فإنه صحيح مقبول، وإن كان غير ذلك، فالعمل باطل مردود لا يُعتد به شرعاً.
وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن حزم: "إنّ النفس هي المأمورة بالأعمال، وأنّ الجسد آلة لها، فإن نوت النفس بالعمل الذي تصرف فيه الجسد وجهاً مّا، فليس لها غيره، وصحّ أن الله -تعالى- لا يقبل إلاّ ما أمر به، بالإخلاص له، فكل عمل لم يُقصد به الوجه الذي أمر الله -تعالى- به، فليس ينوب عما أمر الله -تعالى- به".
وقال: "ولا يصح عمل من أعمال الشريعة إلا بنية متصلة بأول الشروع فيه".
(١) ومعنى الحصر هنا: "إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه".
إحكام الأحكام، ابن دقيق العيد ٨/١، وينظر: روضة الناظر ٧٨٨/٢، البحر المحيط ٥٠/٤، رسالة في أصول الفقه، عبدالرحمن السعدي، ص١٠٥.
(٢) ينظر: المحلى ٢٣٢/١، ٢/ ٦، ١٤٣/٥، الإحكام، ابن حزم ١٣٧/٢، ١٤٥، النبذ في أصول الفقه الظاهري، ص٧٨.
(٣) ينظر: روضة الناظر ٢/ ٥٧٧، إحكام الأحكام ١/ ١٠، جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٨٨/١، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر ١٣/١، منتهى الآمال في شرح حديث إنما الأعمال، السيوطي، ص٧٨.
(٤) الإحكام في أصول الأحكام ١٣٥/٢.
(٥) النبذ في أصول الفقه الظاهري، ص٧٨.