لكنَّ الإمام ابن حزم وبعد أن أورد هذا الدليل وغيره من الأدلة لهذه القاعدة تعقبها بالنقد والإبطال.
فأنكر نسبة هذا الحديث وغيره من الروايات الواردة إلى النبي ﷺ، وأنه لم يثبت اتصال سنده إليه ﷺ، وإنما جاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم من طرق لا تصح، وقال: " إنه لفظ إن استعمل أدَّى إلى إبطال الحدود جملة على كلّ حال، وهذا خلاف إجماع أهل الإسلام، وخلاف الدِّين، وخلاف القرآن، والسنن؛ لأنَّ كل أحد مستطيع أن يدرأ كل حدّ يأتيه فلا يقيمه، فبطل أن يُستعمل هذا اللفظ، وسَقَط أن تقومَ به حجة "(٢).
ثمَّ بيّن أنه ليس في الحديث ولا في الروايات الأخرى له بيان تلك الشبهات التي تسقط بها الحدود، ولم يأت ما يحدّها لنا أو يضبطها، " فليس لأحد أن يقول في شيء يريد أن يُسقط به حدّاً: هذا شبهة، إلاَّ كان لغيره أن يقول: ليس بشبهة ... ومثل هذا لا يحل استعماله في دِیْن الله تعالی "(٣).
وبعد أن ناقش ابن حزم أدلة القائلين بهذه القاعدة، قرَّر " أنَّ الحدود لا يحلّ أن تدرأ بشبهة، ولا أن تُقام بشبهة، وإنما هو الحق لله تعالى ولا مزيد فإن لم يثبت الحد لم يحل أن يُقام بشبهة؛ لقول رسول الله ﷺ " إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ "(٤). وإذا ثبت الحد لم يحل أن يدرأ بشبهة لقول الله تعالى :
=
وأخرجه الدار قطني، في : كتاب الحدود والديات وغيره، برقم (٣٠٩٧)، ٤ / ٦٢.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٣٨/٨ .
والحديث ضعّفه الألباني، ينظر: ضعيف سنن الترمذي، ص ١٦٣، إرواء الغليل ٢٥/٨.
(١) ينظر في أدلتهم ومنا قشتها والرد عليها: المحلى ٩/ ٦٥، ١٣/ ٣١ -٣٣، ١٠٣.
(٢) المحلى ١٣ / ٣٢ " بتصرف يسير".
(٣) المحلى ١٣ / ٣٢ .
(٤) أخرجه البخاري، في: ٩٦- كتاب الفتن، ٨ - باب قول النبي ﷺ " لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض "، برقم (٦٦٦٧).
ومسلم، في: ٢٨ - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، ٩ - باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، برقم (١٦٧٩).