بل إنَّ الإمام ابن المنذر قد نقل إجماع أهل العلم على أنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات.
والمقصود منها: أنه متى قام لدى القاضي احتمال، أو شبهة في ثبوت الجريمة الموجبة للحد، وجب عليه ألاّ يُقيم الحد على المتهم، بل يدرؤه عنه إلى العفو أو إلى عقوبة التعزير.
وكان عُمْدة ما استدل به القائلون بهذه القاعدة، حديث عائشة قالت قال رسول الله ﷺ: "ادْرَؤُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتطَعْتُمْ، فإنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فإنَّ الإِمَامَ أنْ يُخْطِئَّ فِي العَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أنْ يُخْطِئَ في العُقُوبةِ".
(١) أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري الشافعي، كان فقيهاً مُحدثاً مجتهداً حافظاً ورعاً، وله اختيارات لم يتقيد فيها بمذهب معين بل يتبع الدليل، ومن مؤلفاته: الإشراف في اختلاف العلماء، التفسير، والإجماع. توفي سنة ٣١٨هـ.
ينظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ٣٣١، تذكرة الحفاظ ٧٨٢/٣، طبقات الشافعية الكبرى ١٠٢/٣.
(٢) ينظر: الإجماع لابن المنذر، ص ١١٣.
(٣) التعزير في اللغة: مأخوذ من العزر، وهو الحبس والمنع، يقال: عزرته وعزَّرته إذا منعته. وأصله النصرة والتعظيم.
ينظر: المحيط في اللغة، ابن عباد ١/ ٣٨٣، مجمل اللغة ٦٦٧/٢، لسان العرب ١٨٤/٩.
وفي الاصطلاح: عقوبة غير مقدرة شرعاً في كل معصية لا حدّ فيها ولا كفارة.
ينظر في تعريفه: المبسوط ٣٦/٩، طلبة الطلبة، ص ١٣٣، تحرير ألفاظ التنبيه، النووي، ص٣٢٨، الوجيز في الفقه، ابن أبي السري، ص٤٧٩، عمدة السالك، ابن النقيب، ص٢٢٤، الدر النقي ٧٦١/٣.
(٤) أخرجه الترمذي، في: ١٥ - كتاب الحدود، ٢ - باب ما جاء في درء الحدود، برقم (١٤٢٤)، وقال: "حديث عائشة هذا لا نعرفه مرفوعاً إلّا من حديث محمد بن ربيعة عن يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ. ورواه وكيع عن يزيد بن زياد نحوه، ولم يرفعه، ورواية وكيع أصح ... ويزيد بن زياد الدمشقي ضعيف في الحديث". سنن الترمذي ١١٣/٥.
والصحيح أنه من كلام بعض الصحابة، فروي عن عمر وابن مسعود وعلي، وفي بعض ألفاظهم: ادرءوا الحدود بالشبهات. ينظر: المحلى ٩/ ٦٥، ٣١/١٣، سنن الترمذي ١١٣/٥، التلخيص الحبير، ابن حجر ٥٦/٤.
وأخرجه الحاكم، في: ٤٦- كتاب الحدود، برقم (٨١٦٣)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". المستدرك ٤٢٦/٤، وتعقبه الذهبي في مختصره فقال: يزيد بن أبي زياد قال فيه النسائي متروك. نصب الراية، الزيلعي ٣٠٩/٣.
=