ولقد تصدَّى بعض أهل العلم لهذه القاعدة الفقهية عند ابن حزم فأتوا عليها بالنقض والهدم، وبيَّنوا الحق في ذلك ووضحوه، ولضيق المقام هنا سأُرشد القارئ إلى مراجعة ذلك في مواطنه من كتب أهل العلم لمعرفة المزيد عن هذا الأمر.
وبعد الاطلاع على ما كُتِب عن هاتين القاعدتين - أعني قاعدة الجمهور وقاعدة ابن حزم - وما أورده الفريقان من الأدلة، ومناقشة كل منهما للآخر، وما دار بينهما من ردود واعتراضات، فإنني أميل إلى قول الجمهور، وأنَّ الحق أن يُقال : أنّ كل شرط بين متعاقدين جائز ونافذ ومقبول، أي شرط كان، إلاّ ما أحلّ حراماً أو حرَّم حلالاً . والله أعلم بالصواب.
ثانيا : ومن القواعد الفقهية التي نقدها ابن حزم:
قاعدة: (الحدود تُدرأ بالشبهات).
وقد ذهب إلى الأخذ بهذه القاعدة جمهور الفقهاء، وجعلوها جزءاً لا ينفصل عن نظام الإثبات الجنائي على النحو المفصَّل في كتب الفقه في المذاهب الفقهية المختلفة.
(١) ينظر على سبيل المثال: القواعد النورانية ٤٣٨/٢ - ٤٩٨، مجموع الفتاوى ١٥٩/٢٩ - ١٦٣، أعلام الموقعين، ابن القيم ٣٢٠/١ -٣٢٧.
(٢) جمع حدّ، والحدّ في أصل الوضع اللغوي: بمعنى المنع، ومنه سمي البوّاب حدّاداً لمنعه الناس عن الدخول في الدار.
ينظر: المقاييس في اللغة ١/ ٢٦٣، القاموس المحيط، ص ٢٧٦، تاج العروس ٤ /٤١٠.
وفي الشرع : عقوبة مقدرة شرعاً على معصية لتمنع من الوقوع في مثلها.
ينظر في تعريفه : بدائع الصنائع، الكاساني ٩/ ١٧٧، التعريفات، ص ١١٣، الدر النقي، ابن المبرد ٧٤٥/٣، الإقناع، الحجاوي ٤ / ٢٠٧، الإقناع، الخطيب الشربيني ٢/ ٤٣٧.
(٣) وممن ذكر هذه القاعدة: السيوطي في الأشباه والنظائر، ص ٢٣٦، وابن نجيم في الأشباه والنظائر، ص ١٥٤، وناظر زاده في ترتيب اللآلي ١/ ٦٣٤، والجرهزي في المواهب السنية، ص ١٥١، ومحمد بكر إسماعيل في القواعد الفقهية بين الأصالة والتجديد، ص ٦٧، والندوي في القواعد الفقهية، ص٢٧٨.