265

Al-qawāʿid al-fiqhiyya al-mustakhraja min Iʿlām al-muwaqqiʿīn

القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين

Publisher

دار ابن القيم ودار ابن عفان

على الأسباب للشارع أو للعاقد، فإذا أتى بالسبب لزمه حكمه شاء أم أبى، لأنّ ذلك لا يقف على اختياره، وذلك أنَّ الهازل قاصد للقول مريد له مع علمه بمعناه وموجبه، وقصد اللفظ المتضمّن المعنى قصد لذلك المعنى لتلازمها، إلاَّ أن يعارضه قصد آخر كالمكره والمخادع المحتال، فإنّهما قصدًا شيئًا آخر غير معنى القول وموجبه، ألا ترى أنَّ المكره قصد رفع العذاب عن نفسه ولم يقصد السبب ابتداءًا، والمحلِّل قصد إعادتها إلى المطلّق، وذلك منافٍ لقصده موجب السبب، وأمّا الهازل فقصد السبب، ولم يقصد حكمه، ولا ما ينافي حكمه، فترتّب عليه أثره. وأيضا فالهزل أمر باطن لا يعرف إلاّ من جهة الهازل، فلا يقبل قوله في إبطال حقّ العاقد الآخر، ومن فرّق بين البيع وبابه، والنكاح وبابه قال: الحديث والآثار تدلّ على أنَّ من العقود ما يكون جدّه وهزله سواء، ومنها ما لا يكون كذلك، وإلاّ لقال: العقود كلّها أو الكلام كلّه جدّه وهزله سواء)).

وأمَّا من جهة المعنى فإنَّ النكاح والطلاق والرجعة والعتق فيها حقٌّ الله - تعالى -، أمَّا العتق فظاهر، وأمَّا الطلاق فإنّه يوجب تحريم البضع، ولهذا تجب إقامة الشهادة فيه، وإن لم تطلبها الزوجة، وكذلك في النكاح فإنّه يفيد حلّ ما كان حرامًا وحرمة ما كان حلالاً وهو التحريم الثابت بالمصاهرة، ولهذا لا يستباح إلاَّ بالمهر.

وإذا كان كذلك لم يكن للعبد - مع تعاطي السبب الموجب لهذه الأحكام - أن لا يترتّب عليها موجباتها، كما ليس له ذلك في كلمات الكفر إذا هزل بها، كما صرّح به القرآن(١)، فإنَّ الكلام المتضمّن لحقّ الله لا يمكن

(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ -٦٦].

265