262

Al-qawāʿid al-fiqhiyya al-mustakhraja min Iʿlām al-muwaqqiʿīn

القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين

Publisher

دار ابن القيم ودار ابن عفان

مبطلاً، وينفذ حكم الله عليها تارة بإثبات حقّ المحقّ، وإبطال باطل المبطل، وتارة بغير ذلك إذا لم يكن مع المحقّ دليل.

وأمَّا حديث ((ركانة)) فمن أعظم الأدلة على صحّة هذه القاعدة، وأنَّ الاعتبار في العقود بنيّات أصحابها ومقاصدهم وإن خالفت ظواهر ألفاظهم؛ فإِنَّ لفظ البتّة يقتضي أنّها قد بَانَت منه، وانقطع التواصل الذي كان بينهما بالنكاح، وأنّه لم يبق له عليها رجعة، بل بَانَت منه البتّة، كما يدلّ عليه لفظ ألبتّة لغةً وعرفًا، ومع هذا فردّها عليه، وقبل قوله : إنها واحدة مع مخالفة الظواهر اعتمادًا على قصده ونَيَّته، فلولا اعتبار القصود في العقود لما نفعه قصده الذي يخالف ظاهر لفظه مخالفة ظاهرةً بَيِّنةً، فهذا الحديث أصل لهذه القاعدة، وقد قبل منه في الحكم، وديَّته فيما بينه وبين الله، فلم يقض عليه بما أظهر من لفظه لما أخبره بأنَّ نيَّته وقصده كان خلاف ذلك.

وأمَّا قوله: إنّه لم يحكم في المنافقين بحكم الكفر مع الدّلالة التي لا أقوى منها، وهي خبر الله - تعالى - عنهم وشهادته عليهم.

فجوابه أنَّ الله - تعالى - لم يجر أحكام الدنيا على علمه في عباده، وإنّا أجراها على الأسباب التي نصبها أدلّة عليها، وإن علم - سبحانه وتعالى - أنَّهم مبطلون فيها، مظهرون لخلاف ما يبطنون، وإذا أطلع اللهُ رسولَه على ذلك لم يكن مناقضًا لحكمه الذي شرعه ورتّبه على تلك الأسباب كما رتّب على المتكلّم بالشهادتين حكمه، وأطلع رسوله وعباده المؤمنين على أحوال كثير من المنافقين، وأنّهم لم يطابق قولهم اعتقادهم، وهذا كما أجرى حكمه على المتلاعنين ظاهرًا، ثمَّ أطلع رسولَه والمؤمنين على حال المرأة بشبه الولد لما رميت به، وكما قال: ((إنّا أقْضِي بِنَحْوِ مَا أسْمَعُ فَمَنْ قَضيتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ

262