261

Al-qawāʿid al-fiqhiyya al-mustakhraja min Iʿlām al-muwaqqiʿīn

القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين

Publisher

دار ابن القيم ودار ابن عفان

ثمّ أجاب عن تلك الأدلّة، فقال:

((وقد ظهر بهذا أنَّ ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة، فإنّه - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام، ويلتزموا طاعة الله ورسوله، ولم يؤمر أن ينقب عن قلوبهم، ولا أن يشقَّ بطونهم، بل يجري عليهم أحكام الله في الدنيا إذا دخلوا في دينه، ويجري أحكامه في الآخرة على قلوبهم ونَيَّاتهم؛ فأحكام الدنيا على الإسلام، وأحكام الآخرة على الإِيمان، ولهذا قبل إسلام الأعراب، ونفى عنهم أن يكونوا مؤمنين، وأخبر أنّهم لا ينقصهم مع ذلك من ثواب طاعتهم يوم القيامة شيئاً*، وقبل إسلام المنافقين ظاهرًا، وأخبر أنّه لا ينفعهم يوم القيامة شيئاً*، وأنّهم في الدَّرك الأسفل من النّار، فأحكام الربّ تعالى جارية على ما يظهر للعباد، ما لم يقم دليل على أنَّ ما أظهروه خلاف ما أبطنوه.

وأمَّا قصة الملاعن، فالنبيّ صلى الله عليه وسلم إنما قال بعد أن ولدت الغلام على شبه الذي رميت به، (( لَوْلاً ما مَضَى مِنْ كَتَبِ اللهِ لَكَانٍ لي ولها شَأنٌ))، فهذا - والله أعلم - إنما أراد به لولا حكم الله بينهما باللِّعان، لكان شبه الولد الذي رميت به، يقتضي حكمًا آخر غيره ولكن حكم الله باللِّعان ألغى حكم هذا الشبه، فإنّهما دليلان، أحدهما أقوى من الآخر، فكان العمل به واجبًا، وهذا كما لو تعارض دليل الفراش ودليل الشّبه، فإنّا نعمل دليل الفراش ولا نلتفت إلى الشبه بالنّص والإجماع، فأين هذا ما يبطل المقاصد والنَّات؟

وأمّا إنفاذه للحكم وهو يعلم أنَّ أحدهما كاذب فليس من الممكن شرعًا غير هذا، وهذا شأن عامة المتداعيين، لا بدّ أن يكون أحدهما محقًا والآخر

[*] كذا في الأصل، والجادة: ((شيءٍ)).

226