259

Al-qawāʿid al-fiqhiyya al-mustakhraja min Iʿlām al-muwaqqiʿīn

القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين

Publisher

دار ابن القيم ودار ابن عفان

ثمّ فصّل في المسألة تفصيلاً محكمًا، فذكر تقسيمًا جامعًا نافعًا في الباب، بَيَّن فيه حقيقة صيغ العقود وكشف فيه حقيقة الأمر، فقال:

((المتكلّم بصيغ العقود إمَّا أن يكون قاصدًا، فإن لم يقصد التكلّم بها كالمكرَه والنّائم والمجنون والسّكران والمغلوب على عقله، لم يترتّب عليها شيء؛ لأنَّ أقوال هؤلاء كلّها هدرٌ كما دلَّ عليه الكتاب والسنّة والميزان وأقوال الصحابة.

وإن كان قاصدًا التكلّم بها، فإمّا أن يكون عالماً بغاياتها، متصوِّرًا لها، أو لا يدري معانيها البتّة، بل هي عنده كأصوات ينعق بها؛ فإن لم يكن عالماً بمعناها ولا متصوِّرًا له لم يترتّب عليه أحكامها أيضاً، وإن كان متصوّرًا لمعانيها عالِماً بمدلولها، فإمّا أن يكون قاصدًا لها أو لا، فإن كان قاصدًا لها ترتّب أحكامها في حقُّه ولَزِمَتَهُ.

وإن لم يكن قاصدًا لها، فإمّا أن يقصد خلافها أو لا يقصد معناها ولا غير معناها؛ فإن لم يقصد غير التكلّم بها فهو الهازل. وإن قصد غير معناها، فإمّا أن يقصد ما يجوز له قصده أو لا؛ فإن قصد ما يجوز له قصده نحو أن يقصد بقوله: أنت طالق من زوجٍ كان قبلي، أو يقصد بقوله: أمَتيّ، أوعَبدي حرٌّ، أَنَّه عفيف عن الفاحشة، أو يقصد بقوله: امرأتي عندي مثل أمّي في الكرامة والمنزلة، ونحو ذلك، لَم تلزمه أحكام هذه الصيغ فيما بينه وبين الله - تعالى -.

وأمّا في الحكم، فإن اقترن بكلامه قرينة تدلّ على ذلك لم يلزمه أيضاً؛ لأنّ السياق والقرينة بيِّنة تدلّ على صدقه، وإن لم يقترن بكلامه قرينة أصلاً وادّعى ذلك دعوة مجرّدة لم تقبل منه، وإن قصد بها ما لا يجوز قصده، فالتكلّم

259