وفي ذلك يقول ابن الهمام : "وفي تتبع المروي عن النبي ﷺ والصحابة ما يقطع في المسألة، فقد علمنا أنه عليه الصلاة والسلام قال لماعز: لعلك قبلت ، أو غمزت ، أو نظرت(١) ... ، كل ذلك يلقنه أن يقول نعم بعد إقراره بالزنا ، وليس لذلك فائدة إلا لكونه إذا قالها ترك ، وإلا فلا فائدة، ولم يقل لمن اعترف عنده بدين : لعله كان وديعة عندك فضاعت ونحوه ، وكذا قال للسارق ، والغامدية نحو ذلك ، فالحاصل من هذا كله كون الحد يحتال في درئه بلا شك ، ومعلوم أن هذه الاستفسارات المفيدة لقصد الاحتيال للدرء كلها كانت بعد الثبوت لأنه كان بعد صريح الإقرار، فكان هذا المعنى مقطوعاً بثبوته من جهة الشرع ، فكان الشك فيه شكا في ضروري فلا يلتفت إلى قائله ولا يعول عليه(٢).
ثانياً : الإجماع : فقد أجمع الفقهاء على أن الحدود تدرأ بالشبهات(٣).
ثالثاً : من الآثار : إن المتتبع لما روي عن النبي ﷺ والصحابة ما يقطع بأن الحدود تدرأ بالشبهات ، ولذا فإنني أقتصر على ذكر بعض هذه الآثار :
١ - ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال:" لأن أعطل الحدود بالشبهات، أحب إليّ من أن أقيمها"(٤).
٢ - ما وروي عن بعض الصحابة أنهم قالوا:" إذا اشتبه عليك الحد فادرأه"(٥).
٣ - ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال:" ادرؤوا القتل والجلد عن المسلمين ما استطعتم"(٦).
رابعاً : المعقول : فإن الحدود مبناها على الستر ، وإذا كان الأمر كذلك فالعقل يقتضي أن تدرأ الحدود بالشبهات تحقيقاً لهذه الغاية ، وفي ذلك يقول ابن القيم - رحمه الله - : "إنما أمر الله سبحانه بالعدد في شهود الزنا؛ لأنه مأمور فيه بالستر ، ولهذا غلظ فيه النصاب ، فإنه ليس هناك حق يضيع وإنما حد وعقوبة ، والعقوبات تدرأ بالشبهات(٧).
البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة ، باب هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست أو غمزت ، ج٦ ، ص٢٥٠٢.
ابن الهمام ، شرح فتح القدير ، ج٥ ، ص٢٤٩.
ابن المنذر ، الإجماع ، ص١١٣.
ابن أبي شيبة ، المصنف في الأحاديث والآثار ، ج٥ ، ص ٥١١.
الصحابة هم معاذ وعبد الله بن مسعود وعقبة، المرجع السابق ، ج٥ ، ص ٥١١.
المرجع السابق ، ج٥ ، ص ٥١١.
ابن القيم ، أعلام الموقعين ، ج١، ص٧٦.