السبب الخامس : حدوث ضرورات وحاجات عامة ، تتطلبها الحياة المعاصرة ، مما يستدعي تغير بعض الأحكام القديمة ، ومن ذلك أفتى المتأخرون من الفقهاء بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، والآذان ، والإقامة وغير ذلك(١).
ويمكن أن يستدل لهذه القاعدة بأدلة من الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، وأثار الصحابة والمعقول وفيما يلي بيان لذلك :
أولاً: من الكتاب : قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِنكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(٢).
وجه الدلالة : ما روي عن ابن عباس أنه قال : نزلت "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين" ، فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة ثم أنه جاء التخفيف فقال:" الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ " فهو من قبيل التخفيف لا النسخ(٣)، بمعنى أن الحكم قد تغير بحسب الحال ففي حال القوة يعمل بالآية الأولى،وفي حال الضعف يعمل بالثانية(٤).
ثانيا : من السنة : أن النبي ﷺ نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام ، وأمر بالتصدق بالباقي ، ثم أجاز النبي ﷺ في العام الثاني الادخار فقال : "كلوا، وأطعموا ، وادخروا ، فإن ذلك العام كان بالناس جهد ، فأردت أن تعينوا فيها"(٥).
وجه الدلالة : أن النبي ﷺ نهى عن الادخار في السنة الأولى ، وذلك لوجود حالة خاصة ، وهي وجود ضيوف وافدين على المدينة ، وهم يحتاجون إلى الإكرام ، بينما أذن لهم النبي ﷺ بالادخار في السنة التالية ؛ لأن الظرف العارض قد ارتفع ، وزالت تلك العلة مما يدل على أن الحكم المبني على حالة طارئة يتغير بتغير تلك الحالة(٦).
(١) شبير، القواعد الكلية ، ص ٢٦٥، ص ٢٦٥، الزحيلي، القواعد الفقهية، ص ٣١٦.
(٢) سورة الأنفال ، آية (٦٥-٦٦).
(٣) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن، ج٨ ، ص ٣٠ .
(٤) شبير، القواعد الكلية ، ص ٢٦١ .
(٥) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب الأضاحي ، باب ما يكل من لحوم الأضاحي ، ج٥ ، ص٢١١٥ ، مسلم ، صحيح مسلم ، كتاب الأضاحي ، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي ، ج٣ ، ص١٥٦٣، واللفظ للبخاري .
(٦) شبير، القواعد الكلية ، ص ٢٦١ .