وبهذا جمع بين القولين وإعمال الأدلة جميعها، فنكون في الحالة الأولى قد أرشدنا إلى الصلح الذي جاءت النصوص من الكتاب والسنة حاثة عليه، ومرتبة الأجر والثواب على من فعله، ونكون في الحالة الثانية، أوصلنا الحقوق إلى أصحابها بعدما لم نجد للصلح سبيلا بين الخصوم.
إذا تقرر ما سبق لا بد من التأكيد هنا على عدة أمور أهمها :
الأمر الأول : أن الصلح الذي ندب الله إليه لا بد أن يكون مشروعاً، بحيث لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، وهذا ما نصت عليه القاعدة الفقهية وفي ذلك يقول ابن القيم - رحمه الله -: "والصلح العادل هو الذي أمر الله به ورسوله كما قال تعالى: "فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ" (١)، والصلح الجائر هو الظلم بعينه، وكثير من الناس لا يعتمد العدل في الصلح، بل يصلح صلحاً ظالماً جائراً...، وكثير من الظلمة المصلحين يصلح بين القادر الظالم، والخصم الضعيف المظلوم بما يرضي به القادر وصاحب الجاه، ويكون له فيه الحظ، ويكون الإغماض والحيف على الضعيف، ويظن أنه قد أصلح، ولا يمكن المظلوم من أخذ حقه، وهذا ظلم، بل يمكّن المظلوم من استيفاء حقه، ثم يطلب إليه برضاه أن يترك حقه بغير محاباة لصاحب الجاه (٢).
وعليه فالصلح الذي يحل حراماً أو يحرم حلالاً كالذي يتضمن أكل ربا، أو إسقاط واجب أو تعطيل حد، أو ظلم لآخر، وما شابه ذلك فكل هذا صلح جائر مردود (٣).
الأمر الثاني : أن الصلح الذي ينبغي أن يكون بين الخصوم، هو ما كان في حقوق العباد وفق أحكام الشرع (٤)، أما ما كان في حقوق الله فلا يصح الصلح عليه؛ لأن المصالح بالصلح متصرف في حق نفسه، أما باستيفاء كل حقه أو باستيفاء البعض، وإسقاط الباقي أو بالمعاوضة وكل ذلك لا يجوز في غير حقه، فلا يصح الصلح في حد الزنا أو السرقة، أو شرب الخمر وغيرها كأن يصالحه على دفع مبلغ من المال، شريطة أن لا يرفعه إلى ولي الأمر فلا يصح(٥).
(١) سورة الحجرات، آية (٩).
(٢) ابن القيم، أعلام الموقعين، ج١، ص٨٥.
(٣) المرجع السابق.
(٤) انظر: أحكام الصلح، الكاساني، بدائع الصنائع، ج٥، ص٤٧، الحموي، غمز عيون البصائر، ج٣، ص٦٩، علي حيدر، درر الحكام، ج٤، ص٧، ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج٢، ص٥٤، ابن أبي الدم، أدب القضاء، ص٦٠٣، الشوكاني، نيل الأوطار، ج٥، ص٣٤٨.
(٥) الكاساني، بدائع الصنائع، ج٥، ص٥٩، ابن القيم، أعلام الموقعين، ج١، ص٨٥.