القول الأول : أن على القاضي أن يصدر حكمه في القضية المعروضة عليه إذا ظهر له وحق الحق فيها ، وذلك لأن القاضي قد عرف بالحجة المحق من المبطل ، والظالم من المظلوم ، فلا يجوز الصلح والحالة هذه ؛ لأن فيه إعانة على الظلم ، وتشجيعاً له ، وهذا يتنافى مع الغاية التي من أجلها وجد القضاء ، وبه قال جمهور الفقهاء (١).
القول الثاني : يرى أنه يندب للقاضي أن يعرض الصلح على الخصوم ، ويردهم مرة ومرتين طمعاً في الصلح بينهما ، فإن لم يطمع بذلك أنفذ بينهم القضاء ، وبه قال الحنفية (٢) .
واستدلوا بقول عمر ابن الخطاب : " ردوا الخصوم حتى يصطلحوا" .
وهنا لابد من التفريق بين حالتين :
الأولى : عند حضور الخصوم ، وقبل أن يبدأ القاضي بسؤال الطرفين ، فإنه يندب للقاضي عرض الصلح على الخصوم وذلك للنصوص السابقة الذكر.
الثانية : إذا ظهر للقاضي وجه الحق في القضية المعروضة أمامه بعد أن استمع لأدلة الطرفين، وعرف المحق من المبطل فعليه في هذه الحالة أن يصدر الحكم (٣) ؛ لأنه لا يجوز تأخير الحكم بعد تهيىء أسبابه (٤) .
(١) السرخسي ، المبسوط، ج١٦، ص٦٦ ، علي حيدر، درر الحكام، ج٤، ص٦٥٨، السبكي ، فصل القضية، ص ٦٠ ، ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج١، ص٣٤ ، عبد الرفيع، معين الحكام ، ج٢ ، ص ٦١٣، المواق، التاج والإكليل، ج٦، ص١٣٣، الدردير، الشرح الكبير، ج٤، ص ١٥٢، النووي ، روضة الطالبين، ج١١، ص ١٣٢، البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج٣، ص ٥١٨، ابن قدامة، المغني، ج١٠، ص ١٠١ ، قال البهوتي:" أما إذا استنارت الحجة فليس له ذلك ( أي الصلح ) وروي عن شريح أنه ما أصلح بين المتحاكمين إلا مرة واحدة "، كشاف القناع، ج٦، ص٤٢٤ .
(٢) ابن عابدين ، حاشية رد المحتار ، ج٥ ، ص٤٢٣ ، الكاساني ، بدائع الصنائع ، ج٥ ، ص٤٥٦ .
(٣) ويستثنى من ذلك الحالات السابقة الذكر .
(٤) الحموي ، غمز عيون البصائر ، ج٢، ص٣٥٣ ، ولذا يرى الإمام ابن حزم رحمه الله عدم جواز تأخير الحكم مطلقاً ،إذا ظهر له وجه الحق ، ولو طمع القاضي بأن يصلح بين الخصوم، وذلك لانه لم يأت قط عن رسول الله أنه رد خصوما بعدما ظهر الحق ، بل قضى بالبيئة على الطالب وألزم المنكر اليمين، والله تبارك وتعالى يقول: "كُونُوا قَامِينَ بِالْقِسْطِ " النساء آية (١٣٥)، " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى " المائدة آية (٢) " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ " آل عمران آية (١٣٣)، فمن حكم بالحق حين يبدو إليه فقد قام بالقسط، وأعانَ علَى البرّ والتقوى، وسارع إلى مغفرة من ربه ، ومن تردد في ذلك فلم يسارع إلى مغفرة من ربه، ولا قام بالقسط، ولا أعان على البر والتقوى، ابن حزم ، المحلى ، ج٨ ، ص٥١٨ .